قال الوزير والنائب السابق أنور الصباح :
(...)
آن الأوان يا
صديقي لكي أرتاح وترتاح. انهيت مذكراتي بـ " إستراحة المحارب "، لكنّ
قلبي ما زال يتطلّع إلى المزيد من الحكايات والذكريات أحتفظ بها لنفسي، أقلّه في
الوقت الراهن. وقت قد يقصر أو يطول، فالأعمار بيد الله، لكنّ بناءالأوطان بيد
رجاله وقياداته وأجياله الطالعة.
أملي أن تحقّق
الأجيال ما عجزنا عنه، ووصيّتي لهم اتخذتها شعاراً في حياتي الدراسيّة والمهنيّة
والسياسية، وما زلت أمارسها حتى اليوم : الطائفيّة غدوّكم كما إسرائيل إن لم تكن
أشدّ فتكاً. جاهروا بأفكاركم ولا تخافوا. افضحوا السياسيين الكذبة ومن يدور في
فلكهم. اطردوا تجار الهيكل من معابدكم الوطنية واصمدوا... التحديات كثيرة وخطيرة،
لكنّها أصغر من صمودكم في وحدتكم وارتباطكم بالحقيقة التي بدونها، يصبخ الوطن كذبة
والمواطنين ضحايا.
وإن سألتني عن
العبرة التي خرجت بها بعد أربعين سنة من العمل السياسي، فلا أخفيك أمراً " أن
الناس مع الواقف ".. للأسف هكذا الحال في لبنان والدول العربية..ربّما لأنّ
الحرب غيّرت ذهنية الناس لتفشي الطائفيّة والعصبيّات. إنّما وعلى الرغم من ذلك،
أشعر براحة الضمير في كل ما أقدمت عليه وفي كلّ المواقف التي اتخذتها.. لكن الخطأ
الوحيد الذي ندمت عليه هو ترشّحي لانتخابات 1992 و 1996. لم تكن من المفروض أن
أرشّح اعتباراً من أنّ " العين لا تقاوم المخرز ". هكذا تقولالحكمة ومن
يتعظ لا يخسر.
وأخيراً، أعترف
بصدق أنّ السياسة صارت في السنوات الأخيرة هرطقة أو أكذوبة كبرى، ولذا تخلّيت عنها
غير نادم. المواطنون لا ينتخبون ممثليهم، والحكومات تتشكّل طائفياً ومذهبياً
لإرضاء جميع الأفرقاء، وحيث المعارضة والموالاة يتبادلان الأدوار ويتقاسمان "
قالب الجبنة"، كما اعتاد القول المغفور له الرئيس فؤاد شهاب.
وما يحدث في
الحالة السياسيّة الراهنة، قد لا يكون تهديداً بالسلاح، إنّما بالخطب السياسيّة المحرّضة
من نفسيات مريضة. لا أهاجم أحداً، إنّما هذا الواقع الذي أدعو إلى تغييره قبل فوات
الأوان...وحينها لا يبقى أمامنا سوى البكاء وصرير الأسنان...وحينها أيضاً، هيهات
أن يبقى لنا وطن !
(أنور
الصباح: حَفرٌ في الذاكرة والتاريخ، ألبير ط. الخوري، دار النهار، ط1، أيلول 2013)
من مكتبة ومحفوظات نسيب شمس -
009613432334
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق