رواية نبيه بري الثانية... عن " هيئة الانقاذ الوطني "
(...)
دخلت أنا ووليد جنبلاط إلى
الاجتماع، وكان حاضراً الرئيس (إلياس سركيس)، الرئيس (شفيق) الوزان، الوزير فؤاد
بطرس، النائب نصري المعلوف وبشير الجميل.
في مستهل الإجتماع، قدّم
الرئيس سركيس مداخلة إفتتاحية، ركّز فيها على خطورة الوضع الذي يمرّ فيه لبنان،
وأنّ لبنان مهدّد، وهذا الأمر يستوجب أن نعمل متكاتفين، لكي نخرج من هذه الأزمة
الخطيرة.
ثمّ أعطى الكلام لبشير
الجميل، فقال إنّ الأمر الاساسي هو أن ننسى، نحن اللبنانيين، كل الماضي، ونطوي تلك
الصفحة ونفتح صفحة جديدة، وإنّنا في هذا الإجتماع يجب أن نصدر موقفّاً موحّداً
ندعو فيه مجتمعين، إلى ضرورة خروج كل الجيوش الأجنبية من لبنان.
ثمّ أخذ وليد جنبلاط
الكلام، فعبّر عن موقف وطني عربي، ورفض إلباس لبنان وجهاً إسرائيلياً عائماً على
الدم الوطني والعربي والفلسطيني، وشنّ هجوماً عنيفاً على عملاء غسرائيل، في
الكتائب وغير الكتائب.
عندما كان جنبلاط يتكلّم،
قاطعه بشير الجميل مرات عدة، فنهره وليد، وقال له بانفعال " لا تقاطعني"
لكنّ الجميل تعمد مقاطعته، عندها تصادما بالكلام، ما حمل جنبلاط على التوجّه إلى
الجميل بالقول : أنت عميل إسرائلي صغير.
فرد بشير الجميل : والله،
أنا لم أجلس مع شمعون بيريز في منزلي، ولا شربت معه الويسكي.
هنا، توتّرت أجواء
الاجتماع، وسعى الرئيس سركيس جاهداً إلأى ترطيبها، فتوقّف الصدام الكلامي بين
جنبلاط والجميل، لكن الجل ظل متوتراً.
ثم أعطاني الرئيس سركيس
الكلام، فقلت : نحن نعرف أن آرييل شارون، قد يكون موجوداً الآن على باب هذه الغرفة
( في إشارة منّي إلى تمركز الإسرائيليين قرب قصر بعبدا)، ولكن ورغم ذلك، نحن لم
نات إلى هنا لنرفع الراية البيضاء. أو لنعلن إستسلامنا، أبداً. ليكن معلوماً أننا
لسنا مستعدين لأن نركع، وهذا الكلام، الذي يطرح علينا لأن نصدر موقفاً ندعو فيه
إلى خروج كل القوات الأجنبية من لبنان، هو كلام مرفوض جملةً وتفصيلاً، فنحن لا
يمكن وتحت أيّ ظرف أن نساوي بين الشقيق السوري أو الفلسطيني، وبين العدو
الإسرائيلي. لذلك إن ما يجب أن يصدر عنّا من موقعنا كلبنانيين وكعرب، هو أمر واحد
لا غير، وهو الدعوة إلى الخروج الفوري لقوات الإحتلال الإسرائيلية، من العاصمة ومن
كل لبنان، وأما بالنسبة إلى الموضوع السوري، فهذا نبحثه مع الأخوان السوريّين بعد
خروج الإسرائيليين من كامل لبنان.
وقبل أن أختم كلامي، حاول
بشير الجميل أن يقاطعني، فتوقفت عن الكلام، ونظرت إلى الرئيس إلياس سركيس وقلت له
: إسمح لي يا فخامة الرئيس، أريد أن أعرف من يدير الجلسة، فخامتك أم هو (اشرت بيدي
إلى بشير الجميل)؟! حاول بشير الجميّل الإعتذار، وقال : عفواً، إنتظر، لا تكمل،
أنا لا أقدر أن ازايد عليك بشيء، ولكن ما اردت أن أقوله لك، هو أن الإسرائيليين،
ومن خلال ما تطرحه، سيرفضون الخروج من لبنان.
فقلت له : وكيف عرفت أنهم
لن يخرجوا، فعلى ما أظن أنّك منسّق معهم، بالدخول وبالخروج، ولذلك إسمع يا عيني،
من بداية الإجتماع. وأنت تارة تقوم بمقاطعة وليد، وتارة أخرى تقوم بمقاطعتي، إسمع،
إذا تظن أننا جئنا إلى هنا لكي نبصم فأنت تبالغ في الخطأ، نحن جئنا إلى هنا لنقول
لكم بمنتهى الصراحة، واريدك أن تسمع أنت ذلك جيداً، نحن لسنا على إستعداد أبداً
لأن نبحث سوى بموضوع وحيد، وهو خروج الغسرائيليين ولا شيء غير ذلك على الإطلاق،
وأيّ أمر خارج هذا الإطار نحن لسنا معنيين به.
سكت بشير الجميل ولم ينطق
بكلمة، وقد لاحظت أنه تبرّم.
بعد ذلك أعطى الرئيس سركيس
الكلام للنائب نصري المعلوف، فأدلى بموقف قريب جدّاً من موقفي، لقد كنت أعرف
النائب المعلوف كمحامي لامع جزائيًا، وأمّا اللمعان الوطني، فلم أكن أعرفه فيه كما
عرفته فيه في تلك اللحظة.
انتهى الإجتماع، من دون أن
نتوصل إلى اتفاق، ولكن تحدّد موعد الاجتماع الثاني في اليوم التالي، وعلى ما يبدو
أنّ أجواء الإجتماع وصلت إلى الإسرائيليين، وبلغهم كلّ الكلام، الذي بدر مني، ومن
وليد جنبلاط، وكذلك من المعلوف، فما إن انعقد إجتماع "الهيئة" في اليوم
التالي، حتى بدأ حريق الضاحية الجنوبية، بقصف إسرائيلي لا يوصف عنفه، فخرجت من
غرفة الاجتماع إلى شرفة في القصر الجمهوري، مطلّة على الضاحية، فرأيتها وهي تحترق،
فعدت ادراجي إلى الغرفة، وبادرت المجتمعين بالقول : أعتقد أنّه لم تعد هناك ضرورة
لإكمال الإجتماع، لقد وصلت الرسالة وانتهى الأمر. وساعتذاك حصل ما كنت أنتظر
حصوله، إذ "فرطت الهيئة".
هذه هي حكاية "هيئة
الإنقاذ" وكيفية مشاركتي فيها، وللأسف أنّ بعض الأخوان ومنهم حسين الموسوي،
ولاسباب خاصة، اعتبروا أن مشاركتي هي خيانة، مع علمهم هم قبل غيرهم، أنّ ما حصل في
"هيئة الأنقاذ" كان، مجال فخر، وكان مشرّفاً لي ولأـ " حركة
امل". لكن حقيقة الأمر، هي انّهم تذرعوا بـ "هيئة الإنقاذ"،
لسعلنوا إنفصالهم لا أكثر ولا أقلّ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق