2012-08-09

أساس الانظمة الثورية ... شعبوية


أساس الثورية ... شعبوية

1-   يشتق مصطلح الشعبوية من مفردة الشعب. وهي نزعة في التفكير السياسي تجنح لتقديس الشعب، وحسابه مستودع الحقيقة.

2-   ظاهرة انتقالية سطحية ومؤقتة، تبرز في إطار أزمة عامة ووضع سياسي يصعب احتماله بالنسبة للاكثرية.

3-   تتجسد هذه الظاهرة بوقوف الشعب مقابل النخب، بمعنى الشعبوية مقابل النخبوية في المجتمع.

4-   تتميز هذه الظاهرة بعمقها العاطفي وليس الاجتماعي، وهي تحاكي العواطف والغرائز لا القدرات الفكرية.

5-   ظاهرة تقف في وجه الرأسمالية، تحركها الرغبة في إعادة الملكية المشتركة للجميع.

6-   ترادف الشعبوية الفوضوية والعفوية التنظيمية.

7-   تتميز الشعبوية بالسعي الوهمي لتحقيق متطلبات وأهداف وطنية يبدو تحقيقها في الواقع بعيد المنال.

8-   في الحالة الشعبوية يغدو مناخ المجتمع كعرس دائم بيـن الشعب والقيادة من خلال الاحتفاء والتمجيد والتقديس.

9-   تحتوي الشعبوية على بعد فاتيشي أي صنمي. وكذلك تحتوي على البعد الاسطوري.

الآن، لا بد لنا من تحليل هذه الأسس التي تقوم عليها الشعبوية، علّنا ننفذ أيضاً إلـى بعض الإضاءات والإضافات عليها، كما وسنحاول مقارنتها مع بعض المصطلحات التي تتداخل معها أحياناً وعزلها عن مصطلحات أخرى تستعمل كوسيلة لإيضاحها نسبة لغموض المصطلح، وذلك بغية تنقيتها ، وصولاً لصياغتها كمصطلح مستقل.

أولاً من ناحية اشتقاق الكلمة، هناك التباس واضح، فهي تشتق من كلمة " الشعب " إلا أنَّها، لا تعني كما في حالة مصطلح الديمقراطية من حيث معالجتها للتمثيل الافضل للشعب في السلطة، انها نداء موجه للشعب. من عنا قد يكون تم اشتقاق المصطلح. اضافة إلـى أنّ هذا النداء غير موجه لكل الشعب وله اهداف لا تتعلق بالناحية التمثيلية بقدر ما تتعلق بالتعبئة واستنهاض الشعب. في الحالة الشعبوية النداء يوجه إلـى فئة من الشعب، وتحديداً تلك الفئة المهمشة القابعة تحت قهر السلطة في مجتمعاتها، الفئة الأقل تعليماً والأكثر فقراً، والتي يسهل استقطابها وادلجتها وتعبئتها وتحشيدها، بهدف تحضيرها لمواجهة النخب الحاكمة.
كما وإن الحركات الشعبوية، التي تتحرك في مجتمع من المجتمعات تختلف عن الحركات الشعبوية التي قد تحتشد أيضاً للمطالبة بمصالح تعتبرها حقاً لها من الدولة، التي تشكل هذه الأخيرة مرجعاً لها.

في الحالة الأولـى، أي الحركات الشعبوية، فإن التحرك يتم ضد الدولة القائمة مهما كان شكلها، في محاولة لإسقاطها. أما في الحالة الثانية، فيتم التحرك تحت سقف الدولة وليس في مواجهتها.

من هنا ينطلق تصنيف الشعبوية كحركة في وجه النخبوية الحاكمة، وبيـن من هم في أسفل السلم الاجتماعي ومن هم في أبراج عاجية، بيـن فقراء المجتمع واصحاب ثرواته، بيـن رجالات السلطة وأتباعهم وأزلامهم وبيـن تلك الطبقة المهمشة المستبعدة، التي تعاني كل أنواع القهر والحرمان على المستويات كافة.

من هنا، تتميز أيضاً بوقوفها كحركة في وجه الرأسمالية، وتحركها الرغبة في إعادة الملكية المشتركة للجميع. وهذا يبرر صعود هذه الحركات في العالم الثالث أكثر منها في العالم الحديث؛ ففي الأول الإنسان متروك لمصيره، تستعمله السلطات عند الحاجة، وتهمشه بعد القيام بما هو مطلوب منه، تحجب عنه حقوقه والحريات التي شرعها  له " الإعلان العالمي لحقوق الإنسان "، في حيـن أنه وفي المجتمعات الحديثة حيث انتصر إنسان المساواة على إنسان المراتب، الوضع مختلف تماماً، وهذا ما قد يفسر تجنب المفكرين الذين حلّلوا حركات اليميـن المتطرف في الغرب إطلاق صفة الشعبوية عليها.

كما وانها في محاكاتها للعواطف والغرائز، وتميزها بالعمق العاطفي، فهي أكثر قدرة وفعالية على الانتشار في المجتمعات التي يغيب عنها " العقل " أو " التفكير العقلاني ". إن ملعبها تلك المساحات التي لا تزال تعيش في الماضي في المجتمعات الماقبل كوبرنيكية. وهذا العامل يجعل من تلك المجتمعات أمكنة من السهل أن يحتل الوهم فيها مكان الحقيقة. الحلم مكان الواقع. كما أنّ احتواءها على البعدين الصنمي والاسطوري يجعلها أكثر التصاقاً بالمجتمعات المتأخرة أو المتخلفة.

إن هذا التحليل يمكّننا من هذه الاضافة :

إن الشعبوية، ظاهرة مناقضة للدولة ولمفهومها في المجتمعات، وهي تعمل بمواجهتها بغية انهيارها وإسقاطها والحلول مكانها. وتقود الحركات الشعبوية جمعاً من الناس يصفهم توماس هوبس، بأنهم مشّتتون في الحالة الطبيعية، وهم قوى تحركها الرغبة التي لا يحدّها شيء. بمعنى أنهم لا يخضعون لأي قانون، بل هم يقومون بعملية تعليق للقوانيـن في المجتمع. هذه القوانيـن، التي يعتبر مونتسكيو في كتابه " روح القوانيـن " بأنه " ربما يضيع كل شيء إذا كان الإنسان نفسه أو الجسم نفسه يمارسان هذه السلطات ".

كما أن الشعبوية لطالما جاءت كرد فعل على وضع قائم. وهنا قد يقول بعضهم إنّ كل الحركات السياسية هي رد فعل على وضع قائم، فبماذا تتميز عندئذ؟
والواقع أن التعليق صحيح، إلا أنَّ للشعبوية ظروفاً يمكن حصرها، فما يميز صعود الحركات الشعبوية تلازمها مع ظاهرة ضعف الدولة،حتى في تلك الدول التي يظن حكامها، أنها تتكئ على أجهزة أمنية قوية قادرة على الإمساك بزمام الأمور والتدخل للحسم عند الضرورة.

(...)

وبهذا يخلص منهج تفكيك التعريفات عن الشعبوية، إلى خلاصة شبه حاسمة تفيد بأن الشعبوية لا يمكن أن تشهد ولادتها تحت سقف ضعف الدولة. إضافة إلى أنها كحالة تقف دائماً في وجه الدولة  وتتناقض بكل مكوناتها مع مفهوم الدولة.

(...)

أن الشعبوية هي كل الأنظمة الثورية. والأدق أن كل الثورات تحمل ملمحاً شعبوياً. (ص ص 71-78)

المصدر : رجال الشرفات : دراسة تحليلية للظاهرة الشعبوية – تاليف : منى خويص – صادر عن دار الفارابي، ط1، 2012.

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

  حصــــــــــــار المفـــكــــريــــــن الاستراتيجية والاستراتيجية المضادة المطلوب الثبات بصلابة أمام" حصار الداخل والخارج: إن التص...