2012-08-05

مقاربة نظرية مكيافيلية... لخارطة طريق الى استقرار الدولة

مقاربة نظرية مكيافيلية ... لخارطة طريق إلى إستقرار الدولة


كان الإفتراض الأساسي عند مكيافيلي هو أن الإنسان أناني. فليس هناك من حدود لرغبة الإنسان في الاشياء والسلطة. ولما كانت الموارد نادرة، كان الصراع. فتأسست الدولة على حاجة الإنسان للحماية من عدوان الآخرين. فمن دون فرض القانون تكون الفوضى. لذا، لا بد من وجود حاكم قوي لتوفير الأمن للشعب. وقد اعتبر مكيافيلي ذلك منالمسلمات (...). لذا، على الحاكم أن يفترض أن البشر اشرار. ويجب على الحاكم أن يكون قاسياً ومنطلقاً من أن الإنسان أناني النزعي من أجل أمن الدولة، وبالتالي حياة الشعب واملاكه. (ص : 111)
الدول الجيدة هي تلك التي تحافظ على توازنٍ بين المصالح الأنانية المختلفة، وبذلك تكون مستقرة. والدول الفاسدة هي تلك التي تكون فيها المصالح الأنانية في حرب مفتوحة. والمواطن الصالح هو الوطني والمقاتل. وبكلمات أخرى نقول أن الدولة الجيدة هي الدولة المستقرَّة. وغاية السياسة ليست الحياة الجيدة (...) بل هي ببساطة كسب القوة والاحتفاظ بها، وبذلك تثبيت الاستقرار. وكل ما عدا ذلك، غن هو إلاّ وسيلة، بما في ذلك الأخلاق والدين.(ص : 111-112).
اشتهر مكيافيلي بنظرياته الخاصة في كيفية كسب القائد السلطة في مجتمع فاسد. لذلك، كان اهتمام مكيافيلي بمشاكل السلطة ليس لا أخلاقياً، او غير مبالٍ بالأخلاق، إنما هو أخلاقي من حيث أن القصد كان منع الفوضى. فكان الهدف هو الدولة الجيدة، بل الأصح أفضل دولة ممكنة في ضوء طبيعة الإنسان.

وقد اعتقد مكيافيلي أن السياسي الذي يعمل لمثل ذلك الهدف يخلق الدولة فعلياً اي : بوضع القوانين وفرض تطبيقها، يؤسس الأمير النظام السياسي.(...) رأى مكيافيلي إن القانون والأخلاق الموجودين ليسا بمطلقين وكلِّيين، وإنما هما من صنع الحاكم. وتلك هي النظرية التي تقول أن اساس الدولة القومية هو الأمير صاحب السيادة . الدولة هي أنا ( L'état c'est moi)، (I am the state)، - لويس الرابع عشر -.
ولأن الأمير هو مؤسس القانون والأخلاق، فإنه فوقهما. فلا وجود لمقياس قانوني أو أخلاقي، به يمكن الحكم عليه. ولا يستطيع رعاياه أن يظهروا إلا الطاعة المطلقة لحاكمهم، لأن الحاكم هو الذي يعرِّف الحق والأخلاق. غير أنه إذا نجح أحد الرعايا في الإمساك بالسلطة، فيجب أن يطيعه الجميع، بمن فيهم الحاكم المخلوع.(ص 112).

(...) واجب الأمير أن يفرض الأخلاق والفضيلة على الشعب، لكن يجب أن لا يهتم هو نفسه إلا باكتساب السلطة، لذا، هناك تمييز بين الأخلاق العامة والأخلاق الخاصة. فللرعايا أخلاقها وللحاكم أخلاقه. والواقع هو أنه لا يوجدن استناداً إلى افتراضات مكيافيلي، معيار مزدوج، فهناك أخلاق واحدة تتمثَّل في إرادة الأمير. فالأمير يريد أن يخلق دولة مستقرة، ويكسب السلطة ويحافظ عليها.(112-113).
(...) إن التمييز بين أخلاق خاصة واخلاق عامة يدلّ على واقعية سياسية معينة، اي : إذا اردنا أن نفهم كيف تعمل السياسة فعلياً علينا أن نعي أن السياسة غالباً توظِّف مقولات غير تلك التي توظَّف في الحياة الخاصة.(...)للسياسة مقولاتها الخاصة، واخلاقها الخاصة.(ص 113)

(...) على الأمير أن يعدّ الأخلاق الموجودة واحدة من عوامل عديدة عليه حسبانها. كذلك ليس للأخلاق التي يفرضها الأمير على الشعب في نهاية المطاف أي معنى معياري عنده. فتلك الأخلاق الأخرى هي وسيلة في استراتيجية سياسية. غير ان خطة الأمير السياسية الخاصة لها جوهر أخلاقي في النهاية ، وهو تأمين الاستقرار في المجتمع.(ص 113)
(...) غن مكيافيلي ألحق الأخلاق بالسياسة، بمعنى يفيد أنه نطر إلى الأخلاق التي ورثها الشعب والأخلاق التي وضعها الأمير للشعب من منظور استراتيجي، هدف الأمير فيه تأمين استقرار الدولة.(ص 113)

(...) ركزت النظرية السياسية في القرون الوسطى، وبشكل رئيسي، على الأهداف المثالية من دون محاولة أن تشرح كيف يحققها الإنسان. اما مكيافيلي فقد كان مهتماً بالوسائل. وقدم مكيافيلي  وصفاً صحفياً تجريبياً عن كيفية عمل السياسة في زمانه،فميّز، بمعنى معين، بين الأخلاق والسياسة، بين الأهداف الجديرة بالتحقيق والوسائل السياسية، التي ليست صالحة أو سيئة في ذاتها، أو بذاتها، ولكنها تنفع في عملية تحقيق تلك الأهداف، وحاول وصف الوسائل السياسية المستعملة فعلياً في السياسة، من دون الأخذ بالاعتبار إن كانت صالحةً أو مرغوبة.( ص 113 – 114)
(...) إن للدين في فكر مكيافيلي منزلة دنيا، فجميع المصالح والأهداف باتت علمانية. ولم يبقَ من دورٍ للدين سوى توحيد الجماعة. لذلك فكَّر مكيكافيلي أنه من المفيد أن يكون الشعب متدنيّا. وقد يعطي الأمير ايضاً انطباعاً بأنه تقيّ إذا كان ذلك يساعده على تحقيق شيء ما.(ص 114)

(...) الطبيعة الإنسانية ثابتة لا تتغير، لذلك، يمكننا أن نتعلّم كيفية السيطرة على الأوضاع السياسية في زماننا عن طريق درسها في العصور السابقة. ولذلك، يمكننا بمقدارٍ كبير أن نحصل على علم سياسي ثابت عبر الزمان، حيث لا يكوةن الهدف فهم جوهر السياسة، بل تعلمّ كسب السلطة. نعني أن منهج مكيافيلي كان " لا تاريخياً" بمفرداتنا. غير أننا إذا نظرنا من منظور زمانه، نقول إن مكيافيلي كان يفكر تفكيراً تاريخياً، أي : هو مثل الإنسانيين، كتب التاريخ استناداً إلى أمثلة، واستخدم قصصاً فرديّة ليشرح عصره.(ص 114)
كانت الأخلاق والسياسة في نظر أرسطو واحدةً أطلق عليها تسمية براكسيس (Praxis). أما مكيافيلي فقد ميَّز بين الأخلاق والسياسة، والغاية في السياسة تبرر الوسيلة. الوسائل للمناورة البارعة، وهي لا أخلاقية، وتتعدّى التقويم الأخلاقي، ويمكن درسها تجريبياً. والهدف، في نهاية المطاف، هو الحفاظ على السلم والنظام. وقد افترض أرسطو وجود معايير كلّية، وبشكل حكم دستوري. أما مكيافيلي فقد أجاز لإرادة الأمير أن تحدِّد القانون والأخلاق – غير أن الغاية الأخيرة محدَّدة، وهي : الاستقرار السياسي. وفي الوقت ذاته الذي صارت فيه السياسة مناورةً بارعة،نشأت الحاجة لعلمٍ اجتماعي يخوِّل الحكام ان تكون لهم سلطة على أفعال الآخرين( ص 114-115).

بحث مكيافيلي عن رؤية سياسية انطلاقاً من أحداث معينة حصلت في الماضي والحاضر . وبدرسه تلك الأحداث المعينة اعتقد أنه حصل على رؤية عملية تساعد كل من يحكم دولة أو يريد أن يتسلَّم مقاليد السلطة. ويجب أن تكون الرؤية من النوع : " إذا – إذاً"، أي : إذا فعلنا كذا وكذا، إذاً فالنتيجة الحاصلة ستكون هذه أو تلك. وقد أفترض أن الطبيعة الإنسانية تظل، بشكل أساسي، ثابتة عبر التاريخ / وبشكل أكثر دقة نقول افترض أن التاريخ والإنسان معرَّضان لتغيرات دورية، مثلاً على شكل صعود الدول وازدهارها وانهيارها. وهكذا، افترض مكيافيلي أن بإمكاننا أن ننشىء تعميمات كلية انطلاقاً من حالات منعزلة مختلفة. وإذا لم تثبت صحة مثل تلك الرؤية بشكل دائم ، فمردُّ ذلك وجود حالة عدم يقين لا مهرب منها تحدِّد قدرتنا على السيطرة على الأحداث ويسميها فورتيونا (Fortuna) عانياً الصدفة أو الحظ ( ص 115)

المصدر : تاريخ الفكر الغربي : الفصل الثامن : عصر النهضة والسياسة الواقعية / مكيافيلي وهوبز من / مجلة : العربية والترجمة – السنة: 4 – العدد : 10 – صيف 2012 – ص : 109 – 115.

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

  حصــــــــــــار المفـــكــــريــــــن الاستراتيجية والاستراتيجية المضادة المطلوب الثبات بصلابة أمام" حصار الداخل والخارج: إن التص...