2012-07-06

"أشمل" للماروني في لبنان ... و"طورق" للعلوي في مدن الساحل السوري...تاريخ مشرف للمشرق


(...)

العلويون هم طائفة من الطوائف التي انشقّت عن مذاهب أئمّة الشيعة، كالدروز والإسماعيلية في القرنين العاشر والحادي، يقيمون اعتباراً واحتراماً كبيرين للإمام علي ابن أبي طالب، الخليفة الرابع وابن عم الرسول محمد وصهره، وأول من آمن بدعوته. ولكن العلويين ذهبوا في نبجيلهم للإمام علي أبعد من الشيعة الإثني عشرية التقليدية، حداً قد يصل إلى إسباغ هالة قدسية عليه. ولقد اعتبرت المؤسسة السنيّة في دمشق والقاهرة وبغداد، وصولاً إلى السلطة العثمانية، العلويين والدروز والإسماعيليين، وإلى حدّ ما الشيعة الاثني عشرية، هرطقة على الاسلام القويم، وتعاملت مع هذه الجماعات على هذا الأساس. وردّاً على اتهامهم بالكفر والارتداد وحملات القمع التي طالت مناطقهم ( والتي لم تخلُ من مجازر في القرون اللاحقة)، مارس العلويون التقيّة مثل الدروز والشيعة بعد الحملات المملوكية على جبل لبنان في القرن الرابع عشر، والتي طالت الشيعة والموارنة بتهمة التعامل مع الحكم الصليبي في المشرق. ولجأ العلويون كغيرهم من الأقليات إلى المرتفعات حيث الحياة صعبة وخشنة، وانتظموا في عشائر وعائلات لا تختلف في بنيتها وعاداتها عن تلك المنتشرة في لبنان وخاصة في مناطقه الشمالية (الهرمل وبشرّي). فكان ثمة اربع أفخاذ علوية كبرى هي الحدادين والمطاورة والخياطيين والكلبية، دون أي تمميز جغرافي لانتشارها واختلاطها، إضافة إلى عدة أفخاذ صغرى. (ص 44-45)
(...)

حتى القرن العشرين، كان العلويون يُعرفون باسم " النصيريين" وجبالهم باسم جبال النصيرية، نسبة إلى رجل دين من القرن التاسع الميلادي، غامض الأصول يدعى محمد ابن نصير. ومع قدوم الانتداب الفرنسي وإطلاق الفرنسيين لقب "علويين" على أتباع هذا المذهب، ومفرده "علوي" نسبة إلى الإمام علي، انتشرت هذه العبارة في الكتب الفرنسية وصحف فرنسا وتقاريرها الرسمية وباتوا يعرفون بالعلويين. وقد مرّ شيعة لبنان بالتجربة نفسها، حيث استبدل ومنذ الانتداب لقب "متاولة" ( وكانت تُستعمل عبارة "شقفة متوالي" للتحقير) في زمن العثمانيين باسم الشيعة الشيعة اللإثني عشرية.

ولم يكن ابناء المذاهب الأقلوية على وئام فيما بينهم رغم معاناتهم من اضطهاد الأكثرية السنيّة في دول اخلافة العباسية والمملوكية والعثمانية. زمنيّاً سبق المذهب العلوي المذاهب الأقلوية الأخى في بلاد الشام، ولكن انطلاق مذهب الدروز وتموضعهم في جنوب لبنان والبقاع الغربي في القرن الحادي عشر، جذب المبشرّين العلويين لإقناع أبناء الدروز بالانضمام إلى المذهب العلوي، ما أدّى إلى عداوة تاريخية. (...)

فلا جبال العلويين ولا جبال لبنان ولا جبال الدروز شكّلت ملجأً منيعاً وحصيناً ضد من شاء اقتحامها من جيوش غازية أو من سلطات الدولة الحاكمة. بل كان فقر تلك المناطق وشظف العيش وقلّة الاهمية الاقتصادية وضآلة السكان السبب في امتناع دول وجيوش تلك الأيام عن اقتحامها.(ص 45)

(...)

وفي سنوات انهيار الممالك الصليبية في الشرق، ظهر صلاح الدين الأيوبي، وهو كردي من العراق، وحرّر القدس من الصليبيين وبنى سلطة جديدة في الشرق. وشنّ صلاح الدين حملة ضد جبال العلويين عام 1188، فاحتلّ مناطقهم واقام عدداً من القلاع، وحاصر "حصن الأكرد" (الذي حوّله الصليبيون إلى قلعة صليبية باسم حصن الفرسان) لمدّة شهر. (ص 46)

(...)

وشنّ المماليك حملات تاديبية على جبال العلويين، كما فعلوا في جبال لبنان ضد الشيعة والموارنة (من 1285 وحتى 1305). فارتكبوا المجازر بحقّ السكان المحليين وطردوا سكاناً ينتمون الى العائلات الصليبية أو يتحدّرون منها. وحاول المماليك إجبار العلويين على اعتناق المذهب السنّي بقوة السلاح، وعلى بناء المساجد حسب طراز معين. فكان موسم إبادة ضد العلويين عضدته سلسلة فتاوى كان يصدرها قاضي اشرع في دمشق العلامة ابن تيمية (1263 – 1328) ضد شيعة لبنان وموارنته، ولكنه خصّ العلويين بتهمة أفظع بأنهم كانوا " أكثر خطراً على الإسلام من المسيحيين، وواجب كل مسلم أن يمارس الجهاد ضدهم"(وهي فتوى استعملتها الأصولية الاسلامية لإسقاط نظام الحكم في سورية في الربع الأخير من القرن العشرين).
بعد قدوم الأتراك العثمانيين إلى بلاد الشام وهزيمة المماليك في معركة مرج دابق جوار حلب في شمال سورية في آب 1516، لم تسلم مناطق العلويين من حملات تركية واصلت الضغط لتحويل ابناء المذهب العلوي إلى مذهب السلطان العثماني السنيّ. فزادت عزلت العلويين وابتعادهم عن المدن وعدم اختلاطهم بتطورات البلاد. ونظر إليهم السنّة الذين شكّلوا أغلبية سكان المدن، على أنّهم هراطقة ومنبوذون.(ص 46 – 47)

(...)

في ظل الدولة العثمانية، كان العلويون لا يجرأون على الهبوط إلى المدن ذات الأغلبية السنيّة والأقلية المسيحية، الأرثوذكسية خاصة. ولكن التجّار وكبار الإقطاعيين السنّة كانوا يسعون إلى مصلحتهم الاقتصادية ولا يكترثون كثيراً لمعتقدات العلويين الدينية. فاستخدموا اليد العاملة العلويّة الرخيصة في التجارة والصناعة والزراعة منذ القرن الثامن عشر، في مدن الساحل وفي حمص وحماة، وتعاملوا بالربا لسدّ حاجة العلويين إلى المال. واستمرّ هذا الحال في ظل الانتداب الفرنسي. أمّا العلويون الذين لم يعملوا لدى السنّة والمسيحيين، فقد واجهوا صعوبات جمّة في الانخراط في اقتصاد الساحل، إذ كانوا يتعرضون للاضطهاد والعراقيل من قبل التجار ورجال الشرطة إذا حاولوا بيع محاصيلهم في الأسواق لكي يوفروا بعض المال لشراء ما يحتاجونه من مؤن وملابس وحاجيات. 
وكما شكا الموارنة في لبنان من كلمة " إشمل " ( اي أنّ طريق اليمين هي للمسلم وعلى المسيحي أن يتّجه يساراً لفسح المجال للمسلم أن يمرّ)، كذلك شكا العلويون لدى زيارتهم مدن الساحل السوري من كلمة " طَورِق" ( أي أنّ عليهم أن يمشوا في المجرى المنخفض وسط الطريق حيث مسالك الصرف الصحي وحيث تسير البهائم، وليس على الطريق المخصص للناس.(ص 47)

المصدر : تاريخ سورية المعاصر : من الانتداب الفرنسي إلى صيف 2011 – تأليف : كمال ديب – الناشر : دار النهار للنشر، بيروت ، ط1 ، 2011.

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

  حصــــــــــــار المفـــكــــريــــــن الاستراتيجية والاستراتيجية المضادة المطلوب الثبات بصلابة أمام" حصار الداخل والخارج: إن التص...