مقتطفات مما كتب ...
العقيد عاكف حيدر: عضو في المكتب السياسي الاول لـ
أفواج المقاومة اللبنانية - أمل" المُعلن من قبل الامام السيد موسى الصدر، ولاحقاً مؤسس في حركة أمل المحرومين، ثم رئيساً المكتب السياسي ، منتهياً الأمر به خارج الحلبة... يجر أذيال الخيبة وسط دخان سيكاره ...
تحت عنوان : في الطائفة الشيعية وحركة امل :
* وصلت حركة امل مع السادس من شباط عام 1984، إلى أوجها
السياسي والشعبي، وكان ذلك بفضل جهادها ونضالها والتزامها بميثاقها ومناقبية
عناصرها والمسؤولين فيها جميعاً، لا سيما إطلاقها للمقاومة ضد العدو الاسرائيلي،
ورعاية مصالح الناس، وحماية ممتلكاتهم ومنع التعدي عليهم، وإعادة مسروقاتهم ومساعدة
المتضررين، والانسانية التي عومل بها اسراها. وأنها لم تقتل عمداً ولكنها قاتلت
بشراسة على جبهة تحرير الوطن ووحدة شعبه.. ويخلط الناس دائماً بين الحالي والسابق.
ولا يبقى في خاطر المواطن العادي غير الصورة السلبية وهذا برأينا ظلم لا بد من
مواجهته والتصدي له.. والحركة لم تكن يوماً حركة رئيسها أو مكتبها السياسي أو
هيئتها التنفيذية، بل كانت حركة الامام الصدر، بميثاق معلن، وأهداف وطنية لا غبار
عليها، على ان ما آل اليه الأمر لاحقاً وما صارت إليه فأنه لا يدخل في حقبة
التقويم التي نحن بصددها، وهي حقبة سابقة زمنياً، ولا تسأل عن السلبيات الكثيرة
والخطيرة، تلك السلبيات وبكثرتها ونوعيتها المخجلة هي حديثة ومتأخرة، وهي التي
أفرغت الحركة من مضامينها التي كانت علة وجودها، وقود محركها.(ص 61-62)
* اصبحت حركة امل تمثل اوسع رقعة شعبية في لبنان، ليس في
الوسط الشيعي فحسب، وانما على المستوى الاسلامي والوطني العام ايضاً، واعتبرت في
احد ابعادها الاساسية، جيش الشيعة في لبنان على غرار الجيوش الطائفية الاخرى..
وبدا القرار الشيعي موحداً تماماً، فالمجلس الاسلامي الشيعي الاعلى برئاسة آية
الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين، يرى في الحركة شقيقاً توأماً، والحركة ترى فيه ما
يرى فيها، وكلاهما ينتميان الى أب واحد، هو مؤسسهما معاً، عنينا الامام السيد موسى
الصدر. ولم يصل التباين في وجهات النظر، والخلافات الحادة أحياناً الى الطلاق او
العداء. فالمجلس يعتبر نفسه رأس الحركة. باعتبار ان الشيخ شمس الدين يمثل الامام
الصدر ويقوم مقامه طيلة غيبته ، والحركة تعتبر ان المجلس كما الحركة، من منجزات
الامام الصدر، وهي ذات نظام وميثاق وتنظيم، لم يشر الى شيء منها في نظام وهيكلية
المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى ومؤسساته.(ص 62)
* تدعّم موقع الحركة على المستوى الإقليمي والعربي،
بتأييد جزائري كبير، وتبنٍّ سوري كامل، وعلى مختلف الجبهات، من سياسية وعسكرية
وامنية، وتلبية العديد من الحاجات، وتقديم الكثير من الخدمات، حتى غدت الحركة
وكأنها احد ألوية الجيش العربي السوري، فصارت بسبب كل ذلك وبفضل سوريا تخصيصاً،
الرقم الصعب الاوحد القادر على تعطيل كل قرار، واللازم لنفاذ أي قرار، ثم تراجعت
الجزائر عن دعمها بتأثير وضعها الداخلي، اثر حرب المخيمات التي اندلعت مع حركة
امل، فبقيت سوريا السند الاوحد للحركة ولا زالت، ولبَّت الحركة وبكل اندفاع وحماس
واخلاص، حاجات سوريا السياسية والامنية في لبنان، والتزمت الخط الاستراتيجي للرئيس
حافظ الاسد.(ص 63)
* ان الذي تعرضت له حركة امل من مضاعفات وصعوبات واهواء،
جعلها تنتقل من مناخ القيم والتضحية والايمان، الى واقع السياسة العادية والمصالح
الخاصة. فالتدافع من اجل الوصول الى الدرجات العليا في الهرم القيادي، واستعداء
الطاقات العلمية والفكرية، مخافة استيلائها على مواقع السلطة والقرار.(ص 63)
* ورغبة العديدين من القياديين في تجذير مواقعهم
القيادية والسلطوية من خلال استقطاب الانصار والمؤيدين، كل هذه الامور جعلت ساحة
الحركة ساحة موضوع تجاذب سياسي دون افق عقائدي او ايديولوجي ... وحرص الجميع على
تامين أكبر عدد من الأنصار، دون الالتفات الى نوعية المؤيدين وحصانتهم الخلقية،
وصار العدد هو المرجع لميزان الوصول.. وظهرت قوى قيادية فاعلة وخطيرة على المركز،
في الجنوب، واقليم بيروت، وفي البقاع،ولم تحسم الامور معها تنظيمياً، انما دخلت
وأدخلت في معادلة التوازنات المؤقتة ريثما يسمح الظروف بانهائها أو ابعادها عن
مسرح القرار.
وتعطل القرار التنظيمي او سيّس لمصلحة القوى الفاعلة،
وبدأ التململ يمتد في قواعد الحركة، لا سيما وان بعض الاشرار فيها اصبحوا من
الاثرياء والمقربين، فبدأ النزوح من الحركة الى حزب الله املاً في ان يكون المنزل
الجديد اكثر طهراً وملاءمة للتقوى.(ص 63-64)
* اما المكتب السياسي فكان في اكثريته الساحقة يدور في
فلك الرئاسة يغطي مواقفها ويشرع ما تقوم به على سبيل التسوية، واذا كان اعضاء
المكتب السياسي وبصفتهم الفردية، يثورون على الاوضاع، ويصرون على حرية قرارهم وان
هذا القرار، قرار المكتب، هو الذي يجب ان يسود، فإنهم بصفتهم الجامعة والمعنوية
سرعان ما يميلون مع ريح الرئاسة حتى لا تنكسر صورايهم، لا سيما اذا عرفنا ان قلة
هي دون عدد أصابع اليد الواحدة من هذا المكتب، كفاها الله الحاجة، والباقون لا يأكلون ولا يشربون ولا ينبض فيهم عرق،
اذا توقف الراتب والمخصصات والمساعدات، والمحروقات والحرس، والاستشفاء والاقساط،
والمال المبسوط دون حساب، وكل ذلك بغياب مركزية مالية، الا كونها اسمية، غياب
تفتيش مالي وغياب حسابات وارقام مصرفية، يأتي المال باسم الرئاسة تبرعاً ومن
المناحٍ شتى، تجارة، ومرافئ، ومحروقات وشركات، والذي يودع منه في صندوق الحركة هو
الصحيح والسليم ولا سؤال، اما الانفاق فإنه بأمر الرئاسة، أحياناً على اساس مقررات
المكتب التنظيمي او السياسي واحياناً كثيرة دون قرارات ومرات عديدة خلافاً
للقرارات، وكثيراً ما جمدت الحقوق المقررة بسبب المواقف المناهضة لسياسة مركز
السلطة، والاغرب ان مركز السلطة ورئاسة الحركة احيطت علماً من قبل قيادييها الكبار
والمشهود لهم بالكفاءة والتجرد والايمان شفوياً وبموجب تقارير مدعومة بالبراهين
والادلة تشير الى بواطن الخلل، ومع هذا بقيت الامور على حالها وزادت تفاقماً، مما
ادى الى استقالة عدد من القياديين الكبار تباعاً، فتعرت الحركة من معظم لباسها،
واستعيض عن كل ذلك بورق التين الذي لا يستر العورة الا بصعوبة.(ص 64-65)
* ولا ادري كيف تركت الامور دون رقابة او حساب، فإذا
بالمغانم، وحب الاثراء تصبح هدف الاكثرية من مجاهدي الأمس، وتعدَّدت سلطات
الانفاق، لا سيما في المواقع العسكرية والامنية، والانفاق على الثقافة، وهدر مال
كثير من قبل هذه السلطات، تبريراً وتزويراً واختلاساً..(ص 65)
* والسلطات العسكرية والامنية شكلت خطراً على الحركة
وقيادتها، بعدائها فيما بينها، وبفضل قوتها على الساحة، فواجه عسكر هذه المنطقة
عسكر الاقليم، وصار كل اقليم يشكل قوة يتزعمها مسؤول، ويأتي كاملا باقليمه الى
المجالس المركزية ليكون السيف الفاصل في امور الانتخابات والقرارات.(ص 66)
* ان هذه الاوضاع التي خلفَّها الانحلال الخلقي، دفعت
بعدد كبير من الحركيين الى ترك الحركة والانضمام الى حزب الله، الى جانب آخرين
ولأسباب خاصة، الذين انتقلوا من الحركة الى الحزب ليسوا جميعاً من نفس الطينة
والخلق، وليست اسبابهم واحدة. البعض رأى في الانتقال ابتعاداً عن جو الرذيلة
والاثم، ودخولاً في مناخ اسلامي أنقى على ما يعتقد، والبعض الآخر توخّى تبوّء مركز
او مسؤولية فاتته في الحركة وعصيت عليه، والبعض الثالث رأى في الانتقال مجالاً
للانتقام من الحركة وبعض مسؤوليها بسبب ظلم لحق به او خيل له ذلك. والبعض الرابع
اكتشف ان المغانم في حزب الله هي الادسم والاكرم، لا سيما بعد بعد ان اغدقت
الجمهورية الاسلامية اموالاً طائلة على حزب الله، مكنته من تسديد رواتب شهرية
للعناصر اعلى من رواتب عناصر الحركة، اضافة الى الاستفادات العينية والخدماتية
التي تعجز عنها الدولة. فالمستشفيات والمدارس والدواء كله مجاني، والمحروقات
والكتاب والتموين كذلك، يضاف الى ذلك الدعم السياسي والحماية العسكرية، وهي امور
لم تكن كلها متوفرة في حركة امل، والبعض المتوفر منها اصيب بالتقليص لافتقار
الحركة الى مصادر التمويل، بعد ان تقلصت هبات وتبرعات المغتربين من جهة، وبسبب
الهدر والانفاق غير المشروع من جهة أخرى، وتسخير ما تبقى من مال لتأمين تأييد شعبي
وانتخابي، واصدار الصور والمنشورات والشعارات التي تحصِّن مركز القيادة والقادة من
جهة ثالثة وأخيرة.(ص 66-67)
المصدر : كتاب "الاشياء باسمائها : من أجل لبنان افضل"، تأليف : العقيد
المهندس عاكف حيدر، الناشر : شركة المطبوعات للتوزيع والنشر – الطبعة الاولى –
1995

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق