كيف يصنع الساسة
قراراتهم من منظور علم النفس
ومن خلال المقاربات المعرفية والقياس؟
أصبحت المقاربات المعرفية هي المقاربات الأكثر تأثيراً
في علم النفس "رجل السياسة" وهي المنظورات التي تؤكد محتوى البنى المعرفية (من
الأفكار والتصورات والاعتقادات) التي يمتلكها الناس ودورها في تكوين السلوك،
وصناعة القرارات بوجه عام. وهي لا تتمثل في مقاربة واحدة فحسب، ولكنها تتضمن
منظورات عديدة، وإذ شئنا أن نلخص أوجه الشبه بين هذه المنظورات المتنوعة، نستطيع
القول إنها جميعاً تنطلق من افتراض أن البشر مخلوقات محدودة بالفطرة؛ فهم ليسوا
كالكومبيوتر مثلاً، وقدرتهم على معالجة المعلومات التي تردهم محدودة.
ولكي تصنع قراراً عقلانياً تماماً، تحتاج إلى كل
المعلومات ذات الصلة بذلك القرار، وإلى النظر في جميع السبل المتاحة لتنفيذ ذلك
القرار. ولكننا نعرف أن البشر في الحياة الواقعية لا يمتلكون المعلومات التامة على
أي حال، ولا الطاقة المطلقة (لتجريب كل السبل المتاحة). فالعالم مكان معقد إلى حد
لا يصدق، والفرد العادي يتعرض لقصف متواصل من المعلومات لا يمكن لدماغ أي فرد منا
تمثله تماماً.
كثيراً ما نقوم بمعالجة المعلومات من خلال ما يسمى
" الطرائق المعرفية المختصرة" أو الموجهات الذهنية العملية (القواعد
المبنية على الخبرة). هذه الطرائق تحدنا في البحث عن معلومات إضافية وتؤدي بنا إلى
الوصول إلى قرار أو آخر بسرعة أكبر مما لو لم نتبع تلك الطرائق.
أن البشر في صناعتهم للقرار يكونون عقلانيين في حدود
المعلومات المتاحة لهم (والتي كثيراً ما تكون إما محدودة وإما وافرة جداً يصعب
معالجتها ذهنياً). ونتيجة لذلك، كثيراً ما "نكتفي" بما يتوافر لنا بدل أن
نعمل على "تعظيم المنفعة". وبعبارة أخرى كثيراً ما نمسك بأول بديل مقبول
يمكن أن "يفي بالغرض" من بين منظومة غير محدودة من البدائل الممكنة.
وهذا ما يقوم به صانعو السياسة في كثير من الأحيان.
فبناء على منظور "العقلانية المحدودة" عندما يواجه السياسيون عدداً غير
محدود من الحلول الممكنة لمشكلة ما، فإنهم يختارون أول بديل مقبول متاح لهم. لذا،
فإنه حين لك عدد هائل من البدائل من "أ" إلى "ي"، مثلاً، فإنك
ستبدأ بـ "أ"، وتنتقل إلى "ب “ثم إلى "ج" وهكذا حتى تجد
حلاً مقبولاً، ولنقل إنه كان "د" عند ذلك سنقف على الأرجح ولن تسير أبعد
من ذلك. وربما لا يكون "د" هو أفضل البدائل أو الذي يحقق أعظم النفع-فقد
يكون هو "ل “أو "ك “أو "ي" – ولكنك لا تستطيع النظر في كل ما
هو متاح.
ومن الطرائق المختصرة، طريقة قياس التمثيل/القياس
بالمماثلة (بين موضوعين واستنتاج أن ينطبق على أحدهما ينطبق على الآخر ) وتشير هذه
الطريقة اساساً إلى استخدام مواقف سابقة من أجل فهم الحاضر والتنبؤ بالمستقبل.
فعندما يواجه صانعو القرارات موقفاً جديداً يكتنفه الغموض، كثيراً ما يعتمدون على
التاريخ ليفهموا ما يجري. فنسأل أنفسنا (بوعي وفي كثير من الأحيان بغير وعي)
"ما الذي اراه في ذلك الموقف؟ كما نسأل أنفسنا، ماذا في خبرتي السابقة، أو في
معرفتي بالتاريخ ما يعطيني دليلاً على ما يجري.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق