2014-05-18

حقائق ووقائع ما قبل الولوج في ملف العلاقات الإسرائيلية - اللبنانية

حقائق ووقائع ما قبل الولوج إلى ملف مسار العلاقات الإسرائيلية – اللبنانية (01)

إعداد : الباحث نسيب شمس 

تُعد مذكرات ألياهو ساسون والياهو ايلات (افنشتاين) مصدراً من المصادر التاريخية الأساسية التي تلقي الضوء على أساليب العمل التي اتبعتها الحركة الصهيونية في إقامة شبكة من العلاقات السياسية مع بعض الزعماء العرب. والقارىء لهذه المذكرات يدرك للوهلة الأولى ان الدائرة السياسية للوكالة اليهودية قد نجحت في استغلال التعارضات السياسية والمذهبية في المشرق العربي، وقامت بحبك شبكة من التحالفات السياسية في سنوات الثلاثينيات والأربعينيات، وهي السنوات التي تغطيها كتابات ساسون وايلات.

وقبل البدء بعرض وتحليل ما كتبه ساسون وأيلات لا بد من التأكيد على بعض الحقائق، رغم أنني أرى بأن تكرارها هومن باب البديهيات، إضافة لما يمكن أن تشكله من خلفية سياسية تاريخية إستعادية تفيد الجيل الجديد في التعرف أكثر على الماضي ومآلاته في الزمن الحاضر، كما قد تساعد على استشراف مستقبل قد يكون حاضر أحفادنا.

وأولى هذه الحقائق، هي أنه لا يمكن فصل المشروع الصهيوني في فلسطين عن مجمل الخطة الأوروبية للسيطرة على المشرق العربي، أوروبا التي احكمت سيطرتها على هذه المنطقة بعد اتفاقية سايكس – بيكو  عام 1916 وخلقت الكيانات السياسية المتناحرة والتي تحمل تناقضات مستمرة، لم تكتف بذلك لتثبيت سيطرتها بل أعطت وعد بلفور لا قامة " الوطن القومي اليهودي" في فلسطين كتتمة وضمان لاستمرار الهيمنة ليس عبر تثبيت أوضاع التقسيم التي تمت بين سايكس وبيكو فحسب، بل إذا اقتضى الأمر، في تفتيت هذا التقسيم على قاعدة انعدام وجود قاسم مشترك بين مكونات هذا المشرق، وأن هؤلاء هم مجموعة طوائف ومذاهب عليها أن تطمح لإقامة كيانات مستقلة اسوة بالكيان اليهودي المزمع اقامته في فلسطين. ذلك أن مراسلات الجنرال غورو ورئيس وزراء ميلاران قبيل وبعد معركة ميسلون عن مشاريع عديدة لتقسيم سوريا. فقد اقترح ميلاران على الجنرال غورو تقسيم سورية إلى 13 شكلاً من أشكال الانفصال على أساس الانقسام الطائفي والاثنيات العرقية، والمدن المستقلة والإدارات الخاصة... ألخ. في حين كان في تصورغورو أن تقام أربعة دويلات فقط وهذا ما حدث فعلاً في أيلول / سبتمبر 1920، عندما أعلن غورو تقسيم منطقة الانتداب الفرنسي إلى أربعة دويلات هي: لبنان الكبير، دويلة دمشق (بما في ذلك منطقة جبل الدروز)، دويلة حلب (وتشمل أسكندرون) ودويلة اللاذقية.( يمكن العودة لمزيد من التفاصيل إلى George Lencyowski, The Middle East in world affairs, Corenoell University press, Third edition, p 310)

واستمرت فرنسا في سياستها الاستعمارية الرامية إلى تشجيع إقامة الأوطان الدينية العرقية، فبعد ان استخدمت الأشوريين والأكراد في لواء الجزيرة للانتفاض على مركزية دمشق، واستخدمت الفرقة الشركسية المشهورة ببلائها في قمع الثورة السورية الكبرى سنة 1925، عمدت السلطات الانتدابية الفرنسية إلى إعطاء وعد بإقامة وطن خاص للشركس في منطقة الجولان وذلك بعد أن قدم وفد من القنيطرة إلى دمشق في 29 حزيران / يونيو 1939 وقدم مطالب انفصالية في مذكرة خاصة[1].
وكذلك، مثال أخر على رغبة تقسيم هذا المشرق، ما جاء على لسان الدكتور يهودا ما غنس رئيس الجامعة العبرية أثناء لقائه ودافيد بن غوريون بجورج انطونيوس وذلك في منزل الأخير يوم 29 نيسان / أبريل 1936 بهدف التوصل إلى اتفاق "عربي – يهودي "، وقد أصر الدكتور ما غنس خلال اللقاء على وجهة نظره الداعية إلى إعطاء " العلويين واللبنانيين والدروز مقاطعات منفصلة، وكذلك منطقة شرق الأردن إلى جانب الدولة اليهودية في فلسطين"[2].
وكذلك في مرحلة متقدمة، وأثناء التحضيرات السرية للعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956 عرض دافيد بن غوريون رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك أمام المسؤولين الفرنسيين في الاجتماع السري الذي عقد في قصر سيفر تفاصيل خطته التي تتلخص أولاً بالقضاء على جمال عبد الناصر وبعد ذلك تقسيم الأردن بحيث تصبح الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية أما الضفة الشرقية فتكون من حصة العراق (نوري السعيد) وأضاف بن غوريون؛ ستتقدم القوات الإسرائيلية إلى نهر الليطاني جاعلة منه الحدود الشمالية لدولة إسرائيل، أما القسم الأخر من لبنان فستقام عليه دولة مسيحية.[3]

وقد شهدت لبنان أثناء الحرب الأهلية عام 1975 وقائع وأحداث ومطالبات بإقامة دويلة مسيحية في لبنان بحجة عدم استطاعة المسيحيين التعايش مع المسلمين. وذلك قبل إعلان مناحيم بيغن رئيس الحكومة الإسرائيلية في نيسان / أبريل 1981 تحالفه السياسي ودعمه العسكري للقوات اللبنانية. فقد ذكر بيغن أن إسرائيل تعهدت في آب / أغسطس 1978 لوفد لبناني من " مسيحيي الشمال " (مسيحيي لبنان) زار القدس، بالدفاع عنهم ضد أي هجوم سوري، وحضر الاجتماع الذي ضم شخصيات قيادية من الجانب اللبناني ، وكل من موشي دايان، وعيزر وايزمن ومناحيم بيغن. وقد جرى تكرار هذا التعهد علناً في نيسان / أبريل 1981، وكان إسحق رابين رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق قد أعلن أنه سبق لحكومته أ، قدمت " مساعدات عسكرية واقتصادية للمسيحيين في لبنان منذ عام 1976[4]. لقد نشر الكثير من الكتب التي تتحدث بالتفاصيل عن العلاقات الكتائبية – الإسرائيلية إبان الحرب الأهلية والتي انتهت فصولها الأولى بالغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.

والجدير بالذكر أنه كان قد سبق لدايفيد بن غوريون وقبل تسع سنوات من قيام دولة "إسرائيل" أن اقترح قيام دولة مسيحية في لبنان على أساس أن قيام مثل هذه الدولة سيشكل حليفاً ومبرراً لقيام إسرائيل. وجاء ذلك الاقتراح في الخطاب الذي ألقاه أمام المجلس العالمي لعمال صهيون في عام 1937، حيث قال : " أن جوار لبنان يشكل دعامة سياسية رائعة للدولة اليهودية، وذلك أن لبنان هو الحليف الطبيعي ليهود "أرض إسرائيل"، وأن لمسيحيي لبنان مصيراً مشابهاً لمصير الشعب اليهودي (...) وأن جوار لبنان يوفر حليفاً مخلصاً للدولة اليهودية منذ يوم قيامها، وليس مستحيلاً علينا أن نجتاز الحدود الشمالية،حيث يتاخم لبنان حدود الدولة اليهودية، مما يسمح لنا بالتوسع بموافقة ومباركة جيراننا المحتاجين إلى عوننا"[5].

ومن البديهي القول أن أول تكريس لتقسيم المشرق العربي كان في اتفاقية سايكس – بيكو، لكن هذه الإتفاقية هي في الوقت نفسه نهاية لمرحلة وبداية لمرحلة جديدة.

في الحلقة القادمة :

مرحلة ما بعد هزيمة السلطنة وتطبيق اتفاقية سايكس بيكو، والدخول على واقع جغرافي جديد واقع جغرافيا الكيانات الجديدة ، كيانات نرى بعد 100 عام عودة إلى لحظة ولادتها واسترجاع وإحياء للمخططات كانت وقتذاك تحاك بسرية وبمكر شديد.



[1] جريدة "سورية الجديدة" سان باولو- البرازيل، السنة الأولى، العدد 22، في 29 تموز/ يوليو 1939.
[2]  David Ben-Gurion, My talks with Arab leaders, Keter Books,Jerusalem, 1972, p 57.
[3] لمزيد من التفاصيل راجع : 224,225,223.  Micheal Bar-Zchar, The armed prophet : A Biography of Ben- Gurion, pp
[4] Jerusalem Post, International edition, 7 june 1981.
[5] الصهيونية على لسان زعمائها، جمع واعداد البرفسور إسرائيل شاحاك، تقديم الدكتور أميل توما، منشورات جاليلو، القدس 1979، ص 48.

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

  حصــــــــــــار المفـــكــــريــــــن الاستراتيجية والاستراتيجية المضادة المطلوب الثبات بصلابة أمام" حصار الداخل والخارج: إن التص...