2013-10-14

إبن تيمية : رجل المرحلة

في قراءة مستعادة نرى من المفيد قراءة ما كتب الزميل حسام عيتاني في صحيفة السفير الصادرة 20 كانون الثاني 2004، تحت عنوان :

ابن تيمية: رجل المرحلة

تستحق ظاهرة ابن تيمية الذي يحتل حيزا واضحا في السجال الديني السياسي الراهن في مختلف البلاد العربية والاسلامية، دراسة موسعة، وذلك بالتزامن مع ازدياد أتباعه عددا وتخصص مواقع كثيرة على الانترنت لفتاويه ومؤلفاته الكاملة، فيما تتنافس دور النشر على إصدار المزيد والمزيد من كتبه.
تتجاوز أهمية ابن تيمية كونه فقيها توفي في السجن قبل حوالى ثمانمئة عام الى تحوله الى رمز لقسم من الشباب المتدين العربي الذي لا نبالغ اذا قلنا انه سحر ببيان الشيخ ومجادلاته وأحكامه القاطعة والواضحة. لقد كان لابن تيمية من التجارب ما يثير خيال الكثير من المسلمين الباحثين عن قبس يضيء ظلمة الحاضر المرير، سواء في مواقفه من خصومه الداخليين أو في مشاركته في <<الجهاد>>. ولعل ابن تيمية النموذج الديني الاصلح لتحميله إسقاطات من الماضي على الحاضر. فرسالته الى جند حلب الذين واجهوا التتار بعد انسحاب <<عسكر مصر>>، تستخدم هذه الايام بكثرة للاشارة الى تقاعس بعض الحكام العرب الحاليين وتراخيهم في مواجهة العدو الخارجي وتركهم لأبناء دينهم وحيدين في المواجهة.
تعطي سيرة الرجل وفتاويه ورسائله انطباعا غير ضئيل التأثير بالمعاصرة والمشاركة في النقاشات التي ما زالت تجري على الرغم من تغير أحوال الزمان منذ غيابه. لقد جادل ابن تيمية الفلاسفة والفرق الدينية والاتجاهات الصوفية المختلفة وخرج الى ساحات السجال (وأحيانا القتال) مع المسيحيين واليهود والسنة والشيعة، مستخدما منطقا متماسكا لا يخشى الاحكام الشديدة الوقع، ما يوحي للكثيرين اليوم بإمكانية السير على خطاه في عصر لعله الاقرب الى عصر ابن تيمية في الاضطراب والتنابذ والتقاتل والفتنة المعطوفة كلها على أخطار خارجية هائلة.
وتفتخر العديد من المجموعات السياسية والدينية الناشطة بالقول ان مرجعها الفكري هو شيخ الاسلام، في حين يغير بعض سنة العاصمة العراقية اسم أحد أكبر المساجد فيها من مسجد أم الطبول الى مسجد ابن تيمية. وتعج الكتابات التي يصدرها سلفيون من مدارس مختلفة باستشهادات لابن تيمية تضعه في طبقة أعلى من غيره من الفقهاء والمفسرين، في حين ترفع مقتبسات من أقواله كشعارات وأوامر اليوم لدى مجموعات إسلامية مسلحة تنشط في غير مكان من العالم العربي. بل ان بعض الدول العربية حظرت طباعة أو إدخال كتبه لما تتركه من آثار في نفوس شباب متعطش الى التغيير.
بهذا المعنى يتمتع ابن تيمية بفاعلية سياسية تفوق كثيرا ما تتمتع به قوى وأحزاب تعتبر عريقة على الساحة العربية. وهو اليوم من الموجهين الفكريين الرئيسيين لأكثر من جيلين من العرب، يضم الاول أولئك الذين عاصروا صعود التيار الاسلامي كبديل عن التيارات القومية واليسارية، في حين يتشكل الثاني من الدافعين في اتجاه التغيير الداخلي ومواجهة النفوذ الغربي، مسترشدين بفكر سلفي يمثل ابن تيمية قطب الرحى فيه.
يدرك كل من يقرأ حتى النزر اليسير من كتابات شيخ الاسلام درجة الجاذبية العالية التي يتمتع بها نصه البسيط على عمق والدقيق على شمول، الراهن رغم قدمه والمقاوم رغم تكالب الاعداء. لقد تحولت جملته الشهيرة <<قوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر>> الى صرخة حرب يمتد صداها من أدغال اندونيسيا الى اكواخ الدار البيضاء مرورا بصحارى الجزيرة العربية.
لكن النص حمال أوجه ويصلح للتحفيز على محاربة التتار كما يقبل التأويل في اتجاه النزاع الداخلي. هنا يكمن أحد عوامل اهمية وخطورة ابن تيمية البعيد حتى اليوم عن الاهتمام السياسي والفكري الرسمي والذي تتعاطى معه بعض الدول العربية بصفته ضيفا ثقيلا عليها، فيما لا تتوانى حكومات اخرى عن تصنيفه ضمن المطاردين والهاربين في جبال أفغانستان.
كل ذلك لا يمنع من الاعتراف بأن ابن تيمية هو رجل المرحلة، وان من يسعى الى تغيير الواقع العربي المتردي لا بد ان يجد صيغة للتخاطب مع فكر شيخ الاسلام.

محفوظات : مجموعة غاما للتواصل والمعلومات

03432334

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

  حصــــــــــــار المفـــكــــريــــــن الاستراتيجية والاستراتيجية المضادة المطلوب الثبات بصلابة أمام" حصار الداخل والخارج: إن التص...