2012-12-19

الرواية الفرنسية ... عن هيئة الإنقاذ الوطني


رواية فرنسية ... عن هيئة الإنقاذ الوطني


(...)وتوقفت الغارات الجوية الشديدة على بيروت الغربية فجأة في فجر 19 يونيو/ حزيران وفقاً لتعهدات بين لواشنطن.(...)
في اصيل اليوم ذاته، اجتاز كل من شفيق الوزان ونبيه بري ووليد جنبلاط، في مواكبة من قوى الأمن الداخلي وحرسهم الشخصي، معبر غاليري سمعان وعبروا خط التماس، قاصدين القصر الجمهوري في بعبدا حيث كان يجب أن تنعقد أو جلسة للجنة السلامة العامة (هيئة الانقاذ الوطني).
على جانبي إلياس سركيس الذي كان جالساً إلى رأس الطاولة، جلس شفيق الوزان وفؤاد بطرس وكان كل منهما يرتدي بذلة غامقة اللون. ثم جلس كل من نصري المعلوف ونبيه بري وجهاً لوجه، ثم بشير الجميل ووليد جنبلاط، وكان هذا الأخيران لم يتصادفا إلا قبل سنة في عشاء أقامه صديق مشترك هو ماروف أبو شرف، وكان كل منهما قد تجاهل حضور الآخر بكثير من التعالي. وكان كلاهما يرتدي قميصاً قصير الكم وقد علق الدرزي سترته على ظهر الكرسي.
-                               هذا أهم إجتماع أتيح لي أن أترأسه على مدى السنوات الست من ولايتي – استهل إلياس سركيس كلامه بهذه العبارة. وهذه أول مرة منذ زمان طويل، ومن خلال أشخاصكم، يجتمع فيها لبنان بكامله في هذا المكان. إننا، أنتم والدولة، على موجة واحدة وعلينا أن نعمل في اتجاه واحد.
-                               الوضع يستلزم عملاً مشتركاً – شدد رئيس الوزراء.
-                               أما النائب الروم كاثوليك نصري المعلوف، فتطرق إلى الموضوع بصورة مباشرة اكثر، فيما بدا أنه تناوب على إعلان النوايا، فقال :
-                               علينا أن نحدد معاً مستقبل البلاد ودعمنا للقضية الفلسطينية.
-                               يبدو لي أنك تبحث الوضع في الملوين – قال له بشير الجميل مقاطعاً. فبيروت تحترق ! وعلى أرضنا 60000 جندي إسرائيلي. والفلسطينيون لم يتوقفوا عن لعبة الحرب معهم. والنتيجة أنهم هنا ! أتمنى أن نناقش الورطة التي نحن فيها. الإسرائيليون يريدون إحراج الفلسطينيين. فهل هؤلاء مستعدون ذلط؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فيجب أن ندرس آليات تطبيقية. وإذا كان سلباً، فهل يدرك السّنة في بيروت ما سيحل بهم؟
أعرب الوزان عن موافقته على هذا الكلام بحركة من رأسه بينما كان قائد القوات اللبنانية يتكلم. والتفت نحو وليد جنبلاط داعياً إياه بصورة غير مباشرة إلى الكلام :
- ليس في نية الفلسطينيين أن يستسلموا – قال الزعيم الدرزي. إنهم يطلبون أن يتراجع الجيش الإسرائيلي خمسة كيلومترات وإعطاءهم مهلة شهر قبل الإقدام على أي شيء.
-                               أما زال سنّة بيروت يأخذون في الاعتبار أكاذيب ومناورات أبي عمار؟ صاح بشير الجميل. هل يقبل هؤلاء السنة اقتراح عرفات؟ أريد جواباً عن هذين السؤالين. وحدق في وجه الوزان الذي لم يُجب.
-                               فأجاب عنهم إلياس سركيس قائلاً :
- أؤيد ما قاله الشيخ بشير.
فانتفض وليد جنبلاط في كرسيه وقال لرئيس الدولة ساخراً :هل يعني هذا أنك ستنقل إلينا أوامر مناحيم بيغن ؟
-                               لو كنت أنا من اجتمع بسمعون بيريز أو استخدم التلفزيون الإسرائيلي للإدلاء بتصريح، لكان الأمر عاصفة من الاحتجاج – ردّ بشير وهو يرمق الزعيم الدرزي بابتسامة استفزازية.
-                               أنا لست عميلاً إسرائيلياً !
-                               حافظ على هدوئك، لا فائدة من الانفعال – نصحه بشير بالابتسامة الساخرة إياها.
-                               لماذا تستعجلون استسلام ابي عمار؟ اردف وليد جنبلاط بلهجة هجومية موجهاً كلامه إلى قائد القوات اللبنانية.
-                               أنا مستعجل لانكم لا تدركون ما هي اللعبة التي تلعبونها الآن. إذا دمرت بيروت، لن يكون هناك انتخابات رئاسية. ولن يعود في مقدور السنّة أن يشاركوا في الحكم[1] ويصبح ممكناً جداً في مثل هذه الحال أن يكون كل أعضاء الحكومة المقبلة مسيحيين. أنا اريد إنقاذكم! فلنغتنم معاً فرصة الوضع القائم كي نغير اسس علاقاتنا.
-                               أنا ضد الاحتلال الغسرائيلي – قال الوزان.
-                               وأنا اريد أيضاً أن ينسحب السوريون من لبنان – ردّ عليه بشير.
استمر النقاش طويلاً حول المطالب الفلسطينية دون تحقيق تقدم. وطرحت مسألة جمع السلاح الفلسطيني بواسطة الجيش اللبناني. فطلب الزعيم الدرزي أن يستشر عرفات.
-                               إذا كان يجب أن يستشار قبل اتخاذ قرار، فيجب جلبه إلى هنا، إلى هذه الطاولة، فهذا أمر اشهل – قال الجميل ساخراً.
كُلف الوزان وبري وجنبلاط بسبر غور عرفات لمعرفة حقيقة نواياه. لم يكن بشير الجميل مستاءً من كيفية سير الأمور في هذا الاجتماع الأول، ,أسرّ إلى جان نادر بعد بضع ساعات قائلاً :
-                               لقد وصعنا قدماً في الشرعية – ومن حسن الطالع أننا لم نتوصل إلأى اتفاق. ولو حصل ذلك لكان مجرد تسوية إضافية. الآن ستدمر بيروت وحينها سيهرولون كلهم راضين بالحلول التي ساقترحها.
(...)
كان هدير القصف المتواصل لا يزال يغطي المدينة حينما وصل موكب نبيه بري ووليد جنبلاط إلى قصر بعبدا عند الساعة الحادية عشرة من يوم 22 يونيو/ حزيران للمشاركة في الجلسة الثالثة للجنة السلامة العامة (هيئة الانقاذ الوطني). وحل الرجلان مسرعين إلى القصر بينما لجأ رجال حرسهما الشخصي إلى الاحتماء في الكراج الواقع تحت الأرض. كانت ملامح بري وجنبلاط ملامح شخصين لم يعرفا النوم. فقد كانت المدافع تدوي طوال الليل بلا انقطاع. وحتى السفن الإسرائيلية كانت تقصف المدينة. وكذلك كانت ملامح شفيق الوزان الذي كان قد وصل قبلهما بقليل. وكان يبدو على بشير الجميل وحده أنه نام جيداً.
واشتد القصف لحظة دخولهم قاعة الاجتماع. فطلب بري وجنبلاط من رئيس الدولة أن يتدخل بصورة حازمة لاجل إيقاف القصف كما طلب أن يحضر فيليب حبيب الإجتماع. لم يعترض بشير على ذلك. وكان قد أجرى الليلة الفائتة مناقشات مع الأميركي والرئيس اللبناني، واتفق الثلاثة على أن من الضوروي إطلاقاً أن تنسحب المنظمات الفلسطينية من بيروت قبل إنسحاب الإسرائيليين. ورفعت الجلسة بانتظار مبعوث رونالد ريغن الخاص. ولدى وصوله، التقى حبيب، بشير الجميل الذي كان يسير في الممشى، فدنا منه، وصافحه، واشرّ في أذنه بصوت خافت :
-                               ما فعلتع وما تقوله ممتاز. ستكون رئيس الجمهورية اللبنانية القادم.
اتسمت بداية النقاش باحتجاجات شديدة من جانب الذين جاؤوا من بيروت الغربية. ورسموا صوراً ماساوية لظروف عيش السكان وحالة المدينة.
الفلسطينيون لا يقبلون بالنقاش ما دام القصف مستمراً – أضاف نبيه بري.
-                               إذا كنتم تريدون إيقاف إطلاق النار فساسعى للحصول عليه. لكن قولوا لي ما سيجري بعد ذلك لكي أستطيع إقناع الإسرائيليين.
-                               أخرج إلياس سركيس ورقة من ملف كان أمامه وقرأ بصوت عال وكأنه أراد بذلك أن يسجل عدم رضاه عن مضمونها :
-                               يوجد هنا اقتراح يقضي بأن ينسحب الإسرائيليون خمسة كيلومترات بدءاً من الموقع الذي يحتلونه الآن، وإقامة منطقة عازلة بين هذه الخطوط وخطوط الفلسطينيين وإيقاف لإطلاق النار مدة شهر.
-                               إذا طبقت هذه النقاط فإن المقاومة (منظمة التحرير الفلسطينية ) ستنفذ بسرعة كل ما يمكن أن تطلبه الحكومة اللبنانية – أضاف شفيق الوزان.
-                               هذا ليس واضحاً – قال الأميركي.
فشرح بري وجنبلاط أن الفلسطينيين ينوون احترام السيادة اللبنانية وسلطة الدولة.
-                               هذه هي النغمة التي نسمعها كلما أحس ياسر عرفات بأنه في مأزق. هذا لا يكفي شيئاً – قال بشير مقاطعاً. فالتفت إليه فيليب حبيب ورد عليه بنبرة قاسية :
-                               أستطيع أن أطلب منك أن تصمت كي أتمكن من العمل.
كان لهذه الملاحظة وللهجة المبعوث الخاص الأميركي وخصوصاً الصمت الذي لاذ به قائد القوات اللبنانية وقعها على القادة الآتين من بيروت الغربية. وبدا جنبلاط مرتاحاً إلى هيبة فيليب حبيب فردد المطالب الفلسطينية واضاف إليها وجود قوة فصل دولية.
-                               سأحاول إقناع الإسرائيليين لكني لست متأكد من نيل ذلك.
أثار هذا التحفظ غضب الزعيم الدرزي فهاجم الحكومة الأميركية ناعتاً أياها بالمخاتلة والكذب. فرد حبيب بلهجة حادة جداً :
-                               حكومتي أشرف من حكومتكم التي هي المسؤولة الوحيدة عن كل ما يجري. أنا هنا لكي أرى ما أنتم قادرون على فعله. وحسبما فهمت، فانتم تريدون إيقافاً لإطلاق النار، وتراجعاً إسرائيلياً مسافة خمسة كيلومترات، ومنطقة عازلة، واحترام سيادتكم، وانسحاب السوريين والفلسطينيين.
كانت اللجنة تستمع إلى الأقوال الجارحة التي تبادلها الرجلان لكنها لم تعر العبارة الأخيرة اهتماماً، وكان بشير هو الوحيد الذي قبل العرض بكامله. وحاول نصري المعلوف صرف الأنظار عن ذلك مدافعاً عن القضية الفلسطينية، فرفض بشير الجميل دفاعه رفضاً قاطعاً.
-                               لن أعود أتدخل في شيء إن لم تتوصلوا خلال 48 ساعة إلى الإتفاق فيما بينكم على انسحاب السوريين والفلسطينيين – قال فيليب حبيب محذراً.
لم يعلق أحد على كلامه. كانت براعة المبعوث الأميركي قد جعلت من الإنسحاب السوري والفلسطيني قراراً تتخذه لجنة السلامة العامة ( هيئة الانقاذ الوطني) دون الإتيان على ذكر الانسحاب الإسرائيلي. وقد أعلم ألكسندر هيغ على الفور بما صار إليه الموقف اللبناني.

المصدر : مكتبة ومحفوظات " مجموعة غاما للتواصل والمعلومات 


[1]  إذا خلا مركز رئاسة الجهورية، يتولى رئيس الوزراء مهام الرئاسة بالوكالة، كما ينص الدستور. وقد جرت العادة أن يكون رئيس الوزراء في هذه الحالة مسيحياً مارونياً.

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

  حصــــــــــــار المفـــكــــريــــــن الاستراتيجية والاستراتيجية المضادة المطلوب الثبات بصلابة أمام" حصار الداخل والخارج: إن التص...