جرعة معلومات استرجاعية تذكيرية
من بيروت 1982 الى غزة 2023
عملية
"طوفان الأقصى" التي شكّلت تحدياً للكيان المؤقت، وهزيمة استراتيجية
للجيش الإسرائيلي وأجهزته الاستخباراتية، وتعتبر ملحمة بطولية للمقاومين
الفلسطينيين، فيما العدو يسعى الى تحويلها الى فرصة لتحقيق انتصار عسكري عجز عن تحقيقه
حتى الساعة على أرض المعركة، ومؤخراً كثُر الحديث في الإعلام الإسرائيلي والداعم
له عما يُسمى "نموذج بيروت". ولمن لا يتذكر ما حصل في بيروت عام 1982،
سنحاول الإضاءة على بعض تفاصيل تلك المرحلة، ما قبل خروج المقاومة الفلسطينية وما
بعدها لعل.
صباح يوم 4 حزيران
/يونيو 1982 استيقظ اللبنانيون على غارات للطيران المعادي على بيروت على خلفية
محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أرغون الذي أصيب إصابة بالغة، كانت
المحاولة شرارة غزو لبنان، تحت مسمى "عملية سلامة الجليل" علماً أن وزير
الحرب الإسرائيلي آنذاك إرييل شارون حدد هدفاً ثانياً وهو "إقامة دولة مسيحية
في لبنان"، كما صرّح رئيس الأركان الإسرائيلي السابق آنذاك مردخاي غور،
لصحيفة معاريف في 18 نيسان/أبريل 1982.
ومع بدء
العمليات براً وجواً وبحراً صرح مصدر مسؤول في منظمة التحرير الفلسطينية بأن
الغارات الإسرائيلية "هي مقدمات لزيارة فيليب حبيب الى المنطقة. وأنه قرار
أميركي بإبادة الشعب الفلسطيني والقوى اللبنانية وهذه هي المعالجة الأميركية
لاختلال موازين القوى في المنطقة". فيما أدان وزير الخارجية اللبناني فؤاد
بطرس في اليوم التالي ما وصفه ب "لا مبالاة الاخوان العرب" والصمت
العربي. ومع حلول السادس من حزيران/ يونيو 1982 بدأ الجيش الإسرائيلي اجتياحاً
واسعاً لجنوب لبنان، ونجحت المقاومة والقوات المشتركة في إسقاط طائرة حربية إسرائيلية
وأسر قائدها. فيما أعلن الرئيس الإيراني آنذاك السيد علي خامنئي في رسالة بعث فيها
الى الرئيس السوري حافظ الأسد "أن إيران تضع قواتها المدرعة والمشاة على أهبة
الاستعداد لإرسالها في أول فرصة الى جبهة القتال مع إسرائيل". فيما أوفد
الرئيس الأميركي موفدة الشخصي فيليب حبيب فوراً إلى الكيان المؤقت. وبحسب الجنرال ألكسندر
هيغ وزير الخارجية الأميركي فإن أهداف مهمة حبيب هي انسحاب القوات الإسرائيلية
ووقف إطلاق النار فورا، كما ذكر هيغ أن الرئيس ريغان ما زال يدرس الغزو الإسرائيلي
للبنان لتحديد إذا ما كان دفاعاً مشروعاً عن النفس!
أ-أن الكيان
المؤقت لا يوافق على ان تكون في لبنان قواعد "للمخربين".
ب-أن الكيان
المؤقت لن يغادر المنطقة التي احتلها "الجيش الإسرائيلي" إلا بعد أن يتم
اتخاذ الترتيبات المناسبة التي تمنع قيام تأسيسات جديدة لمنظمات
"التخريب"، وتضمن سلامة المستوطنات في الشمال بعيدة عن مدى قذائف
المدافع وصواريخ الكاتيوشا.
ج-يطمح الكيان
المؤقت أن تجلو عن لبنان كل القوات الأجنبية الموجودة فيه.
فيما دعا الإمام
الراحل السيد روح الله الخميني، في كلمة بثتها الإذاعة الإيرانية، الى استخدام سلاح
النفط العربي ووصف الغزو الإسرائيلي للبنان، بأنه "كارثة على الإسلام وجميع
المسلمين". أما رئيس مجلس الشورى الإيراني هاشمي رفسنجاني فانتقد قرار وقف إطلاق
النار وقال إن “إيران بسبب وجودها على الجبهة لها الحق أكثر من أي دولة أخرى في
إدانة قبول وقف إطلاق النار في لبنان"، وأكد " وجود وحدة إيرانية أولى
على الجبهة اللبنانية وان هناك وحدة أخرى في طريقها الآن"، وختم بالقول"
وإذا ما قاومنا لمدة شهور ووصل متطوعو الدول الإسلامية الى الجبهة فسنتمكن من رؤية
نهاية الصهيونية في المنطقة".
وبعد يومين صرح
وزير الخارجية الإسرائيلي إسحاق شامير أن الكيان المؤقت يضع شرطين للانسحاب من
الأراضي اللبنانية، وهما:" تشكيل حكومة لبنانية قوية وحرة يمكن الحوار معها،
وتشكيل قوة متعددة الجنسية تنتشر على مسافة 40 كلم من الحدود الشمالية لإسرائيل
بضمانة الولايات المتحدة ومشاركة عدد من الدول التي ترغب في ذلك".
فيما وجّه ياسر
عرفات في 17 حزيران/ يونيو 1982 رسالة الى جماهير الشعب اللبناني والفلسطيني
والقوات المشتركة وجماهير الأمة العربية حيا فيها المقاتلين، وأكد أن بيروت ستكون
مقبرة للغزاة. وفي 27 حزيران/يونيو دعا عرفات المبعوث الأميركي الى إجراء محادثات
مباشرة معه دون وسطاء. وأكد أن إسرائيل ستقوم بهجوم على بيروت الغربية خلال
الأسبوع الحالي، وأشار الى أنه "يفتش عن حل سياسي لمنع وقوع ضحايا بين
المواطنين العزل".
![]() |
| رئيس الجمهورية الياس سركيس رئيس الحكومة شفيق الوزان |
وفي مطلع
تموز/يوليو 1982 وصف عرفات في حديث لصحيفة "ليبراسيون" الفرنسية قرار
مغادرة بيروت بأنه دعاية سخيفة، وأشار إلى استعداد المقاومة لأسوأ الاحتمالات. وفي
4 تموز/ يوليو أقفل الجيش الإسرائيلي بوابة العبور بين المنطقة الغربية من بيروت
والمناطق الأخرى كما قام بقطع المياه والكهرباء وخطوط التموين عن التموين عنها.
فيما رفض الحكومة الإسرائيلية المقترحات الفلسطينية، وقالت " يجب أن يرحل كل
"الإرهابيين" الفلسطينيين من لبنان" ورفضت رفضاً قاطعاً أي اقتراح
بوجود مادي أو رمزي في شكل سياسي تنظيمي أو عسكري للفلسطينيين في لبنان". وفي
7 /7/ 1982 صرح ياسر عرفات في مقابلة لصحيفة "النيويورك تايمز" أنه يرفض
أي محاولة أميركية للتدخل في اخرج قوات منظمة التحرير من بيروت"، وفي 9/7 قال
الموفد الأميركي في تصريح لصحيفة "الواشنطن بوست" أن "اتفاقاً سيتم
التوصل اليه في نهاية الأسبوع لضمان نزوح رجال المنظمات الفلسطينية عن غرب بيروت".
وأشار ان نزوح المنظمة من بيروت وانسحاب إسرائيل ووصول القوات الدولية سيتم في آن
مع اخذ حساسية رجال المنظمات حيال وجود جنود إسرائيليين عندما يغادرون بيروت في
الاعتبار". وفي اليوم التالي وجه ياسر عرفات رسالة الى الشعبين اللبناني
والفلسطيني والأمة العربية ندد فيها بالصمت العربي، وقال ان ما نشهده اليوم
"هو محاولة لمتابعة المسرحية" التي يقودها ويخرجها المبعوث الأميركية
و"سيد واشنطن". فيما دعا عرفات في 14/7 في حديث تلفزيوني بث في الولايات
المتحدة الى حوار مباشر بين المنظمة والولايات المتحدة، وقال "أن الولايات
المتحدة أحد المفاتيح الأساسية لحل الازمة" و" أن أسلوب التفاوض عبر خمس
أو ست قنوات ليس دقيقاً". فيما قال الأمام آية الله الخميني بعد يومين، في
رسالة بثتها الإذاعة الإيرانية، "انني أنصح القادة الفلسطينيين بوقف
المفاوضات والاعتماد على الله وعلى الشعب الفلسطيني وعلى سلاحهم، وأن يقاتلوا
إسرائيل حتى الموت. إن هذه المفاوضات ستثبط عزائم الشعوب التي تقاتل من
أجلكم".
الرئيس رونالد ريغان ومبعوثه فيليب حبيب
ومع دخول الشهر
الثالث للغزو الإسرائيلي للبنان وتحديداً في 3 آب/ أغسطس 1982 قال رئيس الحكومة
اللبنانية شفيق الوزان أنه تسلم جواب منظمة التحرير على تصور حبيب ونقله اليه،
واضح الوزان ان السعي يتركز على إزالة التباين بين مشروعي حبيب والمقاومة. واكد
على أن موقف الحكومة اللبنانية بضرورة أن تكون المغادرة الى خارج لبنان مباشرة قد
ابلغ الى جميع الأطراف، وأن الحكومة ناشدت ان يكون وراء وجود القوات المتعددة
الجنسيات ليس فقط لضمان انسحاب الفلسطينيين المقاتلين وإنما أيضاً ضمان السلامة
لمنطقة بيروت وضواحيها برمتها، وشار على أن هذا مطلب لبناني تحرص عليه القيادات
الوطنية الإسلامية. ووفقت م.ت.ف وارسلت مقترح برنامج زمني لخروج المقاتلين
الفلسطينيين، رأى المبعوث الأميركي فيليب في الوثيقة أنه بناءة وإيجابية.
في التاسع من
آب/ أغسطس 1982 خطب رئيس وزراء العدو مناحيم بيغن، في كلية الدفاع الوطني قائلا:
" أن هناك أساسا لافتراض انهم (الفدائيون) سيرحلون سريعاً ولن يتعين علينا
دخول بيروت الغربية" وقال:" ان إسرائيل لن تعترض إذا كانت هناك أقلية من
حوالي 2500 فدائي في بيروت عندما تصل القوة الدولية المقترحة، وإذا ما رفضت هذه
القوة الرحيل فسيتعين على الأميركيين والإيطاليين والفرنسيين إجبارهم على
الخروج". وفي اليوم التالي اجتمع فيليب حبيب الى مناحيم بيغن، وأعرب بيغن عن
أمله أن "تعرف "إسرائيل" فترة سلام تمتد 40 عاماً حسب التوراة وذلك
بعد الخرب اللبنانية" وأشار أن عملية الاجلاء سوف تبدأ في الأسبوع المقبل.
وصبيحة 19 آب/
أغسطس 1982 نشرت الصحف اللبنانية في بيروت نص مشروع فيليب حبيب لخروج المقاومة
الفلسطينية من بيروت، والذين تضمن 14 نقطة؛ هي:
1-
وقف النار وقفاً
شاملاً.
2-
مغادرة بيروت بطريقة
سلمية وفق برنامج زمني.
3-
فريق القوات المتعددة
الجنسيات يرافق سير العملية.
4-
الفلسطينيون غير
المقاتلين والذين سيبقون في لبنان يخضعون للقوانين والأنظمة اللبنانية.
5-
يوم المغادرة ستنتشر
القوات المتعددة الجنسيات لتأمين سلامة الفلسطينيين واللبنانيين في المنطقة
الغربية من بيروت ومساندة الدولة في بسط سلطتها. وستتألف هذه القوات من 800 عنصر
أميركي و800 عنصر فرنسي و400 إيطالي و3000 عنصر فيمن الجيش اللبناني أو أكثر وفقاً
لمتطلبات المحافظة على الأمن.
6-
إذا تعذر تنفيذ أحد
البنود تعتبر مهمة القوات المتعددة الجنسيات منتهية.
7-
عمل القوة المتعددة
الجنسيات لمدة شهر واحد، ويحق للدولة اللبنانية تمديد مهمتها إذا رأت ضرورة لذلك.
8-
يشار الصليب الأحمر في المساعدة
على المغادرة.
9-
المغادرة تكون بحراً من
مرفأ بيروت وجواً الى قبرص وبرا على طريق بيروت – دمشق، على أن يبتعد الجيش
الإسرائيلي عن الطريق الدولية لتأمين سلامة الانسحاب، فيما يتولى الجيش اللبناني
التنسيق مع منظمة التحرير الفلسطينية.
10-
المدة المحددة لإتمام
الانسحاب هي 15 يوماً، ويتم في وضح النهار وينقل المقاتلون معهم أسلحتهم الخفيفة
(مسدس أو بندقية).
11-
تسلم الأسلحة الثقيلة
الى الجيش اللبناني.
12-
قيادة المقاومة تغادر
لبنان علناً، ويتم اعلان ذلك على نحو واضح ومكشوف.
13-
تسليم الطيار
الإسرائيلي الأسير لدى المقاومة قبل التنفيذ.
14-
تغادر ألوية جيش
التحرير الفلسطيني براً، أما القوات السورية الموجودة في بيروت فتخرج إلى البقاع
أو المشال حيث توجد القوات السورية.
وفي 21 آب/أغسطس 1982 انطلقت الدفعة الأولى من المقاتلين
الفلسطينيين بحراً الى قبرص ومنها الى الأردن والعراق، وكانت صباحاً قد رست سفينة
الإنزال الفرنسية "لاديف" وعلى متنها 350 جندياً فرنسياً. وتتالت
الدفعات التي توجهت بحراً الى تونس واليمن وسوريا والسودان، وكل ذلك وسط وداع شعبي
وتظاهرات حاشدة. وفي اليوم الرابع لبدء الانسحاب وصلت الى مرفأ بيروت القوة
الأميركية المشاركة في القوة المتعددة الجنسيات والمكونة من 800 عنصر من المارينز
واستلمت المواقع المحددة لها في محيط المرفأ. فيما أكد ياسر عرفات انه سيبقى
ممسكاً بغصن الزيتون. وفي 30 آب/ أغسطس قال عرفات:" أنا راحل غير أن قلبي
سيظل في بيروت...ولسوف استمر في النضال فكل الدروب تؤدي الى فلسطين...أما اقامتي
في لبنان فكانت مرحلة في معركة". وبهذه الكلمات ودع مودعيه من المسؤولين
الرسميين والحزبيين قبل مغادرته مرفأ بيروت الى اليونان في احتفال رسمي وشعبي.
واستمر خروج قوات المقاومة الفلسطينية والقوات السورية لغاية الأول من أيلول.
بعد هذا العرض المطول لبعض الوقائع والمواقف التي رافقت
الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، خاصة التي واكبت الوصول الى قرار خروج المقاومة
الفلسطينية من بيروت. هذا الخروج الذي أدى الى جملة أحداث مفصلية في الصراع مع
العدو الإسرائيلي، وسنحاول إبرازها بشكل سريع.
الخلاصة من هذا التقرير التوثيقي، القول إن “نموذج
بيروت" أي الاتفاق الذي أخرج المقاومة الفلسطينية لم ينفذ، فقد سال دم مخيمات
بيروت في مجازر دموية، وقام الكيان المؤقت باقتحام بيروت خارقاً الاتفاق، وكل ذلك
تحت ضمانة ورقابة وتأييد المجتمع الغربي على رأس الولايات المتحدة الاميركية، كما ظهرت
موقف القيادة الفلسطينية المتناقضة، فيما برزت مواقف الدعم والمساندة من قبل بعض
الدول. ولعل أهم النتائج الإيجابية للغزو الإسرائيلي كان ولادة المقاومة التي لقنت
هذا العدو المتغطرس أبلغ الدروس وحققت الانتصارات تلو الانتصارات ...وسيبقى رجال
الله رجال المقاومة سائرون على درب القدس...






ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق