جذور مشروع تيار المحافظين الجدد في أميركا للشرق الأوسط
مذكرة جوزف شوربا الى رونالد ريغان عام 1983
ندعوكم
الى مراجعة عبر الزمن لما كتبه أحد المحللين في الولايات المتحدة عشية الانتخابات
الرئاسية الأميركية عام 1983 للمرشح لولايات ثانية الرئيس الأميركي رونالد ريغان (فاتح
عصر المحافظين الجدد في أميركا)، ونأمل القراءة الهادئة الواعية، ومقارنة ما تقله
المذكرة قبل ربع قرن ونيف، بما حصل ويحصل في واقعنا العربي منذ بضعة سنوات.
المحلل
الاستراتيجي الرئيسي للتيار المحافظ ومستشار منظمات "اللوبي اليهودي "
في الولايات المتحدة، ومركز العمليات الإسرائيلي الخاص بانتخابات الرئاسية الأميركية
عام 1983 جوزف شوربا، استعد لتوجيه السياسة الخارجية الأميركية بمذكرة بالغة
الخطورة، وضعها لتكون " دليل السياسة الخارجية والدفاع القومي" للولايات
المتحدة. لتكون أساساً لبرنامج الحزب الجمهوري الانتخابي في معركة الرئاسة آنذاك،
وخصوصاً إذا كان رونالد ريغان هو المرشح، ولكن حتى إذا لم يكن هو.
تحمل مذكرة
شوريا عنوان " السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط: ما ينبغي أن
تكون". وأهميتها – كما تقول – أنها ستكون بمثابة الجزء الخاص بالشرق الأوسط
في البرنامج الانتخابي لريغان آنذاك. ويدل على ذلك وجود نوع من الإجماع بين مفكري
التيار المحافظ الريغاني على خطوطه الرئيسية. ويدل عليه أيضاً أنه يسير على خطوط
تنافس خطوط البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي الذي أقر بنظرية الرصيد
الإسرائيلي بوضوح وجموح لم يسبق له مثيل.
ماذا يقول دليل السياسة الخارجية الأميركية
في الشرق الأوسط وما ينبغي أن تكون؟
يذهب
جوزف شوربا إلى أن حكومة ريغان وقعت في خطأين فادحين. أحدهما خاص بها. والثاني خطأ
عام للسياسة الخارجية للحكومات الأميركية المتعاقبة.
الأول هو
الاعتقاد بإمكان تكتيل الدول العربية المعتدلة في اجماع استراتيجي وراء إسرائيل والولايات
المتحدة ضد الاتحاد السوفياتي. والخطأ هنا يكمن في " أن الدول العربية ضعيفة
ومهزوزة، ولا تملك أية قدرة على المقاومة، فضلاً عن وجود نزعة المغامرة المتطرفة
لدى قوى معينة داخل البلدان العربية".
أما
الخطأ الثاني العام، فهو الاعتقاد بأن الصراع العربي – الإسرائيلي والمشكلة
الفلسطينية هما سبب أزمة الشرق الأوسط والتوتر الدائم في المنطقة. وهو اعتقاد جعل
الحكومات الأميركية المتعاقبة تتصور أن عليها تحاول حل هذا الصراع وإنهاء المشكلة
الفلسطينية.
ولكن
الحقيقة، كما يراها " الدليل"، هي " أن حل المسألة الفلسطينية وحتى
انهاء الصراع العربي – الإسرائيلي، لن يقضي على التطرف العربي، ولن يؤمن استمرار
وصولنا إلى نفط الشرق الأوسط. فضلاً عن أن إنهاء الصراع لن يكون له أثر كبير على
المصالح السوفياتية والتدخل السوفياتي في إيران والعراق والخليج".
أما البدائل "الواقعية" التي
تدعو إليها هذه المذكرة فهي:
-
ضرورة اقناع السعودية بقبول التزام أمني أميركي في
المنطقة، دون أن تشترط (السعودية) لذلك حدوث "تقدم" نحو إيجاد حل للصراع
العربي – الإسرائيلي.
-
دعوة الأردن إلى "التفاوض
وتحمل مسؤولياته باعتباره هو الدولة الفلسطينية. وفي هذه المعادلة لا مكان لمنظمة
التحرير الفلسطينية، ولا بد من تصفيتها أو اذابتها كعامل في سياسة المنطقة.
- تحقيق استقرار لبنان عن طريق " حياد لبناني بضمان مشترك: أميركي – إسرائيلي... يقوم لبنان فيه بدور منطقة عازلة بين العرب وإسرائيل. وبين المنافسات الأميركية والسوفياتية في المنطقة.
- تحقيق استقرار لبنان عن طريق " حياد لبناني بضمان مشترك: أميركي – إسرائيلي... يقوم لبنان فيه بدور منطقة عازلة بين العرب وإسرائيل. وبين المنافسات الأميركية والسوفياتية في المنطقة.
-
أن من الضروري أن يكون أحد أهداف السياسة الخارجية الأميركية
في الشرق الأوسط قيام إيران متحررة من أية سيطرة سوفياتية مكشوفة أو مغطاة.
-
والى هذا الحد أيضاً فأنه لا يبدو هناك اختلاف يذكر بين
خطوط المذكرة والسياسة العملية التي تنتهجها حكومة ريغان في المنطقة.
لكن مخطط
جورف شوربا المعروض على ريغان والحزب الجمهوري ليكون أساس سياسة ريغان الخارجية في
المرحلة التالية، يهد إلى طموح إسرائيلي أبعد من ذلك بكثير... فالمذكرة السرية ترتب
على بزوغ إسرائيل كقوة عظمى في المنطقة عدداً من النتائج التي تعتبر أنها لا بد من
أن تكون تحت أعين السياسة الخارجية الأميركية، وأن تعمل على تنفيذها.
وهذه هي
ملامحها:
"
لقد أظهر التاريخ أن بعد كل حرب خاضتها إسرائيل، خرجت الأداة العسكرية الإسرائيلية
أقوى. وقد اتسع هامش المناورة لإسرائيل في المنطقة بصورة أصبح معه هناك بلدان
مرشحة للدخول تحت هذا الهامش، وهي بالتحديد البلدان التي تظهر فيها تيارات طائفية
وتقسيمية متزايدة...".
وتعدد
المذكرة بالذات: سوريا والعراق والأردن... بعد لبنان طبعا. وتقول بالحرف الواحد:
"
إذا كان من غير الممكن بلوغ السلام دون أن تعترف سوريا ولبنان والأردن بشرعية
إسرائيل، فأن شرعية هذه الدول وسلامتها الإقليمية يمكن أن تصبح موضع تساؤل... فما
الذي يجعل دروز سوريا أو أكراد العراق أقل استحقاقاً لوطن قومي خاص بها من
النيباليين في شبه القارة الهندية؟
وتجيب
المذكرة بصريح العبارة:
" إن
البديل عن تفكيك أوصال العرب هو السلام مع إسرائيل. وبالتالي فإن مصر ستكون
استثناء في استراتيجية إسرائيل المصممة من أجل تعزيز التفكيك العربي بين المسلمين
والأقباط. فإن إسرائيل ستحترم وحدة مصر، شرط ان لا تنخرط القاهرة من جديد في
الائتلاف العربي".
وتحت هذا
العنوان: تفكيك أوضاع العالم العربي تسوق المذكرة النقاط التالية كرد على خصوم هذه
الاستراتيجية:
(1)
" بعد خمس وثلاثين سنة من الحروب، تستطيع إسرائيل أن
تقرر أنها أما أن تقبل في سلام، أو أن تعيد رسم الخارطة السياسية التعسفية
والمصطنعة التي رسمها المصممون البريطانيون والفرنسيون".
(2)
" ان خمس أو ست دول عرقية صغيرة في الهلال الخصيب (درزية
ومسيحية وعلوية وسنية وكردية) ستكون أقل تعرضاً للتخريب أو الاستيلاء من جانب
السوفيات من دول كبيرة متعددة الأعراق. وعند الضرورة، فأن إسرائيل وحدها تستطيع
تأمين حريتها (أي حرية هذه الدول الصغيرة): عن طريق الاقناع الدبلوماسي، أو بقوة
السلاح... أن موسكو – إذا ووجهت بسيطرة إسرائيل وتصميمها – يمكن أن تنتهج تكتيك
الحد من خسائرها وإعادة توجيه اهتمامها بعيدا عن الهلال الخصيب إلى أطراف المنطقة
(مثل الخليج والقرن الإفريقي وجزر المحيط الهندي).
(3)
" إن المزيد من التقطيع للمشرق العربي، يقلل بدرجة كافية من
خطر انبعاث الناصرية في مصر، ويسهل نمو شعور وطني مصري. فإذا لم يتطور مثل هذا
الشعور في مصر، فإن المرجح أن تهتز مصر بعنف تحت وطأة مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية
الهائلة".
(4)
"ان تفكيك سوريا يزيل
التهديد الخارجي الأول على الأردن، ويسمح هذا لعمان (بملكها أو بغيره) بأن تدخل في
سلام مع إسرائيل، وأن تؤدي مسؤولياتها كدولة عربية في فلسطين".
(5)
" أن التفكيك من شأنه أن يزيل خطر اكتساب دولة عربية ذات نزعة
انتقامية أسلحة نووية.
(6)
"من المؤكد أن إسرائيل ستضمن الحريات المدنية للأقليات في تلك
الدويلات الصغيرة، وستدعم سيادتها، ولن يخضع أي منها لضغط للتنازل عن أية حقوق
للأقليات فيها، تزيد عما ستمنحه إسرائيل للعرب الفلسطينيين؟
هذا هو السيناريو الذي يصل بالرصيد الإسرائيلي
إلى أقصاه... وهو ليس من وضع "خيال عربي كاذب"... إنما هو من وضع
استراتيجي أميركي موالٍ لإسرائيل... وليس قائمة اتهامات عربية متطرفة ضد إسرائيل أو
عن أهداف أميركا، وإنما هو بالتحديد المشروع الأساسي الذي كان سيوجه سياسة
الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في مرحلة ما.
فما هو السيناريو المضاد؟
ما هو البرنامج المضاد؟
أين الرصيد العربي في مواجهة "الرصيد الإسرائيلي"؟
ان المشروع المتمثل في مذكرة شوربا السرية هو مشروع وحيد
أمام الجمهوريين...لا ينازعه مشروع آخر. وقد لا تكون نصوص المذكرة وجدت طريقها
حرفيا الى برنامج رونالد ريغان الانتخابي آنذاك، ولكنها في الممارسة العملية ستكون
فعلا " دليل السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط" وقد يطال
السيناريو بعض التعديل خلال المناقشات، لكنه سيبقى في الأساس محتفظاً بجوهره...حتى
لا ينفر الصوت اليهودي، وحتى لا يظهر أنه أقل إرضاء لليهود الأميركيين من البرنامج
الديمقراطي.
وعلى أي الأحوال، فأن أزمة الشرق
الأوسط في السياسة الخارجية الأميركية محكوم عليها في أي فترة بأن تصبح مسؤولية إسرائيل...
وان يتراجع الدور الأميركي المباشر فيها ليتخذ موقعه خلف التحرك الإسرائيلي أينما
اتجه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق